(عزيز-ل)-بيان مراكش-
في واحدة من أكبر قضايا الفساد التي عرفها المغرب في قطاع التعليم، فضيحة مدوّية تتعلق بالبرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم، الذي تم إطلاقه ما بين 2009 و2012 بميزانية ضخمة قدرت بـ 43 مليار درهم (ما يعادل 4300 مليار سنتيم). وقد كشفت تحقيقات الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بناء على تقارير صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، عن اختلالات جسيمة في تدبير هذا البرنامج، أدت إلى إحالة الملف على أنظار القضاء المختص في الجرائم المالية.
التحقيقات الأمنية والقضائية
باشرت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تحقيقات معمقة بأمر من النيابة العامة، استنادا إلى معطيات دقيقة وردت في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، والتي كشفت عن وجود خروقات مالية وإدارية في صرف ميزانية البرنامج الاستعجالي، خاصة على مستوى الصفقات العمومية المتعلقة بتجهيز المؤسسات التعليمية.
ووفق المعطيات التي أوردتها صحيفة الأخبار، فإن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أحال الملف على قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال، من أجل تعميق البحث مع مسؤولين في وزارة التربية الوطنية، خصوصا في الأكاديميات الجهوية التي نفذت مشاريع البرنامج الاستعجالي.
خروقات في صفقات العتاد الديداكتيكي
أحد أبرز مظاهر الفساد التي رصدت في هذا الملف، تتمثل في الصفقات المتعلقة بتوريد العتاد الديداكتيكي والتجهيزات المدرسية. فقد أبرمت الوزارة 234 صفقة لتزويد المدارس بمعدات تعليمية، بكلفة ناهزت 554 مليون درهم، دون احترام معايير الجودة ودون مراقبة مدى مطابقة المعدات الموردة لدفاتر التحملات.
وقد أشار تقرير المجلس الأعلى للحسابات إلى أن المعدات التي تسلمتها الوزارة غالبا ما كانت غير صالحة للاستعمال، أو أنها تم تسلمها دون إخضاعها لأي فحص تقني، مما شكل هدرا صارخا للمال العام، وضربا لمصداقية المرفق التربوي.
فشل البرنامج رغم ضخامة الميزانية
ورغم الميزانية الضخمة المرصودة والتي بلغت 43 مليار درهم، فإن البرنامج لم يحقق الأهداف التي وضع من أجلها. حيث لم تسجل تحسينات ملموسة على مؤشرات جودة التعليم، ولم تخفض نسب الهدر المدرسي، كما لم تحقق نتائج ذات جدوى في مجال تأهيل البنية التحتية للمؤسسات التعليمية.
وتؤكد التقارير أن الوزارة كانت قد وظّفت أزيد من 63 ألف أستاذ جديد خلال فترة تنفيذ البرنامج، إلا أن ذلك لم ينعكس على الأداء التربوي، ما يجعل من هذا البرنامج مثالا صارخا على فشل التخطيط وغياب المحاسبة.
موقف النيابة العامة وفتح مسطرة المتابعة
جاء تحريك المتابعة القضائية بناءً على تقرير أسود أحاله المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي على رئاسة الحكومة، والتي بدورها أحالت الملف على النيابة العامة. واعتُمد هذا التقرير ضمن المستندات التي اعتمدتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في تحقيقاتها.
ويتجه القضاء إلى محاسبة عدد من المسؤولين الجهويين والإقليميين بقطاع التربية الوطنية، على خلفية تورطهم في تدبير صفقات مشبوهة، وإهمال شروط الشفافية والنزاهة في صرف أموال البرنامج.
ويأمل الرأي العام الوطني أن يفضي التحقيق القضائي إلى محاسبة جميع المتورطين، وأن يكون هذا الملف نقطة تحول نحو إصلاح حقيقي، يرتكز على الشفافية والنجاعة في تدبير الشأن التربوي.