بين إنتقاد الحاضر ومسؤولية الماضي “الأحرار” يفتتحون مواجهة حكومة المنصوري

0 277

م . س : بيان مراكش
دشن التجمع الوطني للأحرار ممارسته للمعارضة اليوم الأربعاء 21 أكتوبر خلال جلسة عمومية خصصت لمناقشة البرنامج الحكومي ، الذي قدمته رئيسة الحكومة يوم الاثنين خلال جلسة مشتركة لمجلسي البرلمان ، متهما الحكومة الجديدة بـإستنساخ سياسات الحكومة السابقة ومشاريعها ، بما يؤكد أن تلك الحكومة وضعت الأسس الحقيقية والأجوبة الواقعية للأوراش الوطنية الكبرى.
و من المفارقات التي تستحق التأمل في المشهد السياسي المغربي أن يتحول حزب كان يقود الحكومة بالأمس إلى حزب يمارس المعارضة اليوم و لم ينتقل إلى المعارضة بإختياره ، بل وجد نفسه خارج الحكومة ، وكأن السياسة قررت أن تمنحه عطلة إجبارية من تدبير الشأن العام ، و إذا كانت السياسات التي دافع عنها حزب التجمع الوطني للأحرار خلال تجربته الحكومية لم تحظ برضا شريحة واسعة من المغاربة ، فكيف يمكن أن تتحول مواقفه المعارضة اليوم إلى مصدر ثقة ، لمجرد أنه إنتقل من موقع التدبير إلى موقع المساءلة ؟!
إن المعارضة ليست مجرد تغيير للمقاعد داخل البرلمان ، وليست فرصة لإعادة إكتشاف معاناة المواطنين بعد مغادرة كراسي المسؤولية ، بل هي موقف سياسي وأخلاقي يقتضي الإنسجام بين الخطاب والممارسة ، وبين ما يقوله الحزب حين يحكم وما يقوله حين يعارض ،فالمواطن الذي أثقلته تكاليف المعيشة ، وأرهقته أسعار المواد الأساسية ، وتراجعت قدرته على مواجهة أعبائه اليومية ، لا يحتاج إلى خطابات تشرح له اليوم ما كان ينتظر من الحكومة بالأمس ،أو تكشف له ما كانت تنوي القيام به لو إستمرت في الحكم ،فالعبرة في السياسة ليست بما كانت الأحزاب تنوي فعله ، بل بما فعلته فعلا، أما النوايا فلا تسدد فواتير المغاربة ، ولا تعيد التوازن إلى جيوبهم، والأطرف أن بعض النوايا لا يبدو أنها تنضج إلا بعد مغادرة الكراسي، وكأن المعارضة هي المختبر الذي تكتشف فيه الأحزاب الحلول التي لم يسعفها الوقت لاكتشافها وهي في السلطة .

ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن المرحلة التي سبقت وصول التجمع الوطني للأحرار إلى رئاسة الحكومة، حين قاد حزب العدالة والتنمية الحكومة لولايتين ، وأسهم خلالهما في تهيئة الأرضية السياسية والإقتصادية التي سيواصل فوقها خلفه تدبير الشأن الحكومي ، بما في ذلك السياسات والإختيارات التي فتحت الباب أمام موجة من الزيادات التي أثقلت كاهل المواطنين ، والمفارقة الساخرة اليوم أن الحزب الذي تولى تدبير الحكومة قبل الأحرار ، وأشرف على مرحلة لم تكن خالية من القرارات المؤلمة ، يظهر وكأنه إكتشف فجأة معاناة المغاربة ، ليتقمص دور الواعظ الأخلاقي والقديس السياسي الذي لا علاقة له بما جرى ، وكأن الذاكرة الشعبية فقدت أرشيفها ، وكأن صناديق الإقتراع لم تمنحه فرصتين كاملتين لتحمل المسؤولية.

فليس من الإنصاف أن يتحول من كان بالأمس في موقع القرار إلى قاض أخلاقي على من جاء بعده ، دون أن يمر أولا عبر مرآة حصيلته ،و صحيح أن حكومة الأحرار تتحمل مسؤولية إختياراتها وقراراتها ، ولا يمكنها الإحتماء بإرث سابقيها إلى ما لا نهاية ، لكن الصحيح أيضا أن العدالة والتنمية لا تستطيع أن تتصرف وكأنها لم تكن شريكا في صياغة المسار الذي أوصل البلاد إلى هذه المرحلة ، فالمشكلة ليست في أن يعارض الحزب اليوم ، بل في أن يعارض بذاكرة انتقائية ، و يتحدث عن آثار السياسات حين يصبح خارج الحكومة ، ويتناسى نصيبه من المسؤولية حين كان داخلها ، فالقداسة لا تكتسب بمغادرة كرسي الحكومة، والبراءة السياسية لا تمنح بمجرد الإنتقال إلى مقاعد المعارضة ،لأن من فتح الباب أمام إختيارات الأمس، لا يستطيع أن يتصرف اليوم وكأنه لم يكن حاضرا حين فتحت الأبواب ،و لا تكفي المغادرة لتطهير الذاكرة ، ولا يكفي إعتلاء منصة المعارضة لاكتساب صك البراءة ،فالتاريخ السياسي لا يكتب وفق المواقع الجديدة ، بل وفق القرارات السابقة وآثارها في حياة الناس لأن بعضهم لا تفوته همزة في خطاب، ولو فاتته حصيلة سنوات .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.