بين إمارة المؤمنين ورئاسة الحكومة ضرورة التمييز بين المفاهيم

0 515

م . س : بيان مراكش

يثير النقاش العمومي في المملكة المغربية الشريفة ، عقب تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة ، بعض التأويلات التي تخلط بين مفاهيم دينية ودستورية مختلفة ، خصوصا لدى من يرى أن المرأة لا يمكنها ، من منظور ديني أن تتولى رئاسة الحكومة، مستندا إلى الحديث النبوي الشريف لرسول الله صل الله عليه وسلم “لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة” .

ومهما إختلفت القراءات الفقهية والسياقات التاريخية المتعلقة بهذا الحديث ، فإن إسقاطه بصورة مباشرة على منصب رئيس الحكومة في المغرب يستوجب ، قبل كل شيء إستحضار طبيعة النظام الدستوري المغربي ، والتمييز بوضوح بين إمارة المؤمنين ورئاسة الحكومة ، فهنا تحديدا تكمن المسألة التي ينبغي إستحضارها قبل بناء أي موقف.
فالمغرب وفق دستوره ، لا يضع رئيس الحكومة في مقام أمير المؤمنين ، ولا يجعل رئاسة الحكومة إمتدادا لمفهوم الإمارة الدينية ، فالفصل الواحد والأربعين من الدستور يقرر أن الملك هو أمير المؤمنين ، ويحدد له إختصاصاته في مجال إمارة المؤمنين ، بينما ينظم الفصل السابع والأربعين تعيين رئيس الحكومة وإختصاصه في إطار السلطة التنفيذية ، كما أن الفصل الثاني والأربعين يحدد مكانة الملك بإعتباره رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة وإستمرارها ، وهذا التمييز بين الإختصاصات لم يأت عرضا، وإنما يعكس هندسة دستورية واضحة لتوزيع وظائف الدولة ومؤسساتها ، وبعبارة أكثر وضوحا ، فإن إمارة المؤمنين في المملكة المغربية الشريفة هي للملك محمد السادس أدام الله عزه ونصره ، بصفته أمير المؤمنين ، أما رئاسة الحكومة فهي منصب دستوري آخر ، له طبيعته وإختصاصاته وحدوده.

إن تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة المغربية لا يعني توليها “الإمارة” ، فالحديث عن رئاسة الحكومة يجب أن ينطلق من طبيعة هذه المؤسسة كما حددها الدستور، وليس من إفتراض أنها صورة أخرى من صور الإمامة أو إمارة المؤمنين،
ويزداد الأمر وضوحا بالرجوع إلى الفصل السابع والأربعين ، الذي يحدد آلية تعيين رئيس الحكومة ، حيث ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر إنتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها ، والبلاغ الملكي الصادر اليوم 29 شتنبر 2026 أكد صراحة أن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري تم بمقتضى الفصل السابع والأربعين من الدستور، وكلفها جلالة الملك حفظه الله بتشكيل الحكومة الجديدة.

وهذا المعطى الدستوري مهم للغاية ، لأنه يضع التعيين داخل الإطار المؤسساتي الذي حدده الدستور نفسه ، وليس خارجه، فالمنصوري فاطمة الزهراء لم تعين أميرة للمؤمنين، ولم تتول إختصاصات الملك الدينية ، وإنما عينت رئيسة للحكومة المغربية ، أي على رأس السلطة التنفيذية في الحدود والإختصاصات التي رسمها الدستور، كما أن دستور المملكة لسنة 2011 جعل المساواة بين النساء والرجال جزءا من بنيته الحقوقية والدستورية ، فقد نص على حظر ومكافحة مختلف أشكال التمييز ، ومن بينها التمييز بسبب الجنس ، كما كرس الدستور مبدأ المساواة وفتح المجال أمام المشاركة السياسية للمرأة ، وقد أكد الخطاب الملكي المتعلق بمشروع دستور 2011 أن المراجعة الدستورية كرست المساواة بين الرجل والمرأة في مختلف الحقوق السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والبيئية ، مع إحداث آلية للنهوض بالمناصفة .

وبذلك فإن حضور المرأة في مواقع المسؤولية السياسية لم يعد مسألة إستثنائية في البناء الدستوري المغربي، بل أصبح جزءا من مسار دستوري ومؤسساتي واضح، مع بقاء كل مؤسسة خاضعة للإختصاصات التي حددها لها الدستور ،
أما الحديث النبوي الشريف فلا ينبغي أن يتحول إلى مادة للإستقطاب أو إلى أداة لتجريح الأشخاص والمؤسسات ، فالحديث له مكانته في التراث الإسلامي ، وله سياقه ورواياته وشروح العلماء حول دلالته ومجاله ، غير أن الإنتقال من نص ديني إلى حكم على وظيفة سياسية معاصرة يقتضي أولا تحديد طبيعة تلك الوظيفة ومقارنتها بالمفاهيم التي تناولها الفقهاء في سياقاتهم التاريخية ،و تظهر أهمية التمييز بين مفهوم الإمامة أو الولاية في التراث الفقهي ، وبين مفهوم رئاسة الحكومة في الدولة الدستورية الحديثة ،فالدولة المعاصرة تضم مؤسسات متعددة، لكل واحدة منها إختصاصاتها وطبيعتها القانونية رئيس الدولة و رئيس الحكومة و البرلمان، والقضاء، والجماعات الترابية وغيرها ، ولا يصح إفتراض أن جميع هذه المناصب تحمل حكما واحدا لمجرد إتصالها بتدبير الشأن العام ، والنظام المغربي نفسه يقدم نموذجا واضحا لهذا التمييز ، فقد أفرد الدستور الفصل الواحد والأرعين ، للصلاحيات الدينية الحصرية للملك أمير المؤمنين ، ثم أفرد الفصل الثاني والأربعين لمكانته كرئيس للدولة ، بينما نظم الحكومة ورئيسها ضمن باب السلطة التنفيذية ، فقد سبق للخطاب الملكي حول مشروع دستور 2011 أن أبرز هذا الفصل بين الصلاحيات الدينية الحصرية للملك ، وبين مكانته كرئيس للدولة في إطار توضيح الصلاحيات المؤسساتية ،ومهما كان النقاش حول تعيين فاطمة الزهراء المنصوري أول إمرأة مغربية تتولى رئاسة الحكومة ، فإنه ينبغي أن يظل نقاشا ،يحترم الدين ولا يستعمله في غير مجاله ، ويحترم الدستور ولا يحمله ما لم ينص عليه ، فهذه المناسبة لا ينبغي أن تتحول إلى معركة بين الدين والمرأة ، ولا إلى مواجهة مفتعلة بين المحافظة والحداثة ، أو بين النص الشرعي والنص الدستوري ، وإنما تقتضي فهما دقيقا لطبيعة المؤسسات المغربية ، وإحتراما لكل مقام وإختصاصه ،فإحترام الدين يكون بفهم نصوصه وسياقاتها ، وإحترام الدستور يكون بالإحتكام إلى مقتضياته كما هي ، وإحترام الإختلاف يكون بقبول تعدد القراءات .

إن المملكة المغربية الشريفة إختارت لنفسها، في دستور 2011 ، نظاما يقوم على الملكية الدستورية والديمقراطية البرلمانية والإجتماعية ، وعلى فصل السلط وتوازنها وتعاونها وربط المسؤولية بالمحاسبة ، وفي قلب هذا البناء توجد مؤسسة إمارة المؤمنين، كما توجد الحكومة باعتبارها مؤسسة دستورية تمارس السلطة التنفيذية وفقا للقانون.
ويبقى المغرب بثوابته ومؤسساته ووحدته ، أكبر من الأشخاص والمناصب والظرفيات ، وطنا يتسع للجميع ، ودولة تستمد قوتها وإستقرارها من إحترام دستورها ومؤسساتها وثوابتها الراسخة ،و حفظ الله جلالة الملك محمد السادس ، وألبسه ثوب الصحة والعافية ، وأدام عليه نعمة العافية والتوفيق، وحفظ الله المغرب وأمنه وإستقراره ، وكل التوفيق والسداد للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري في مسؤوليتها الجديدة، لما فيه خدمة الوطن والمواطنين، والله ولي التوفيق.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.