الصامتون غير المصوتون !!!

0 492

 

جريدة بيان مراكش/ الصديق أيت يدار

بات العزوف عن التصويت من أخطر ما يهدد الانتخابات، بعدما صارت التقنيات التقليدية في التواصل عاجزة عن فك شفرات “الفئة الصامتة”، وإقناعها بالخروج من منطقتها الرمادية، وبالتالي إسماع صوتها عبر صناديق الاقتراع.
صمت فئة عريضة من المؤهلين للتصويت، وإن كان يطرح أكثر من علامة استفهام، إلا أنه في السياسة يجب التعامل معه على أنه كلام ويحتاج إلى حاسة سادسة لسير أغواره ومعرفة أسباب هذا السكوت، الذي لا يعني الرضى في جميع الأحوال، نظرا لتداعياته على شرعية المؤسسات المنتخبة.
وإذا كان حجم فئة “الصامتين” في المشهد الانتخابي يزداد ويتضخم ككرة الجليد، فإن ذلك بات يؤرق أكثر من جهة، خصوصا بعد أن دقت مراكز بحثية ناقوس الخطر المحدق، فخلال شهر يونيو الجاري كشف تقرير استراتيجي جديد بعنوان “المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب.. أزمة الوساطة والفئة الصامتة ورهانات الديمقراطية الحديثة في أفق 2035” إن التحدي الأكبر الذي يواجه الحياة السياسية المغربية لم يعد مرتبطا بنتائج الانتخابات أو ترتيب الأحزاب، بل يتمثل أساسا في اتساع دائرة العزوف الانتخابي وتراجع الثقة في المؤسسات الحزبية، معتبرا أن “الفئة الصامتة” أصبحت القوة السياسية الأولى في البلاد، بما يفرض مراجعة عميقة لآليات الوساطة السياسية وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات.
وصدر التقرير عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، معتمدا على مقاربة تاريخية وتحليلية وإحصائية ومقارنة، استندت إلى معطيات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية والمندوبية السامية للتخطيط، إلى جانب دراسات أكاديمية ومؤشرات دولية ورصد للإعلام الوطني، بهدف تقديم قراءة نقدية واستشرافية للمشهد السياسي المغربي حتى سنة 2035.
التقرير، الذي أوضح أن فئة الصامتين ليست مجرد أرقام، بل تعبير صريح عن خيبة أمل عميقة من المؤسسات والاقتراع، اعتمد معطيات رقمية دقيقة بعد عملية رصد لانتخابات 2021، حيث أبرز أن عدد السكان في سن التصويت بلغ 25.23 مليون شخص، أي 100 في المائة من المؤهلين، في حين بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 17.51 مليون شخص، بنسبة 69.4 في المائة، بينما لم يتجاوز عدد المصوتين فعليا 8.8 ملايين، أي 34.9 في المائة من المؤهلين.
وحسب التقرير ذاته، فإن الفئة الصامتة، أي غير المصوتين، بلغت حوالي 16.4 مليون مواطن، بما يمثل 65.1 في المائة من المؤهلين للتصويت، وهو ما يعني أن أكثر من ستة مواطنين مؤهلين من كل عشرة لم يترجموا أهليتهم إلى صوت انتخابي.
إذن، الإشكال، اليوم، ليس من سيتصدر الانتخابات، كما ذهب إلى ذلك التقرير، بقدر ما هو ضرورة خلق المناخ العام من أجل استعادة الثقة، بعد أن تغلغل العزوف بكثرة في وسط شباب واع يتمتع بكل المؤهلات، لكن للأسف، فضل الحياد..
وتتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية كبيرة في هذا الاتجاه بعد أن فتحت أبوابها لعناصر مشبوهة، في إطار سعي محموم لكسب المقاعد، وهو ما رسخ صورة سلبية عن الممارسة السياسية، خصوصا بعد أن اكتفت الأحزاب بأدوارها التقليدية بعيدا عن نبض المجتمع، ولم تواكب المتغيرات السريعة التي عرفها هذا الأخير ، على كل المستويات.
جهة أخرى تتحمل المسؤولية، بل تتحمل مسؤولية أكبر، وهي وزارة الداخلية، باعتبارها الجهة التي تشرف على الانتخابات، فهي مطالبة بالانخراط في خلق أجواء الثقة، بمراجعة نمط الاقتراع واللوائح الانتخابية، وأن تسقط بدعة القاسم الانتخابي المزعومة، وأن تعيد النظر في التقطيع الانتخابي، فاستعادة الثقة في العملية السياسية يستحيل أن تتم بالأساليب القديمة، التي أفرزت الوضع الحالي.
خلاصة القول، لا يجب التلاعب في التعاطي مع العزوف الانتخابي، الذي تحول إلى ظاهرة، فهو ليس مجرد امتناع عن التصويت، بل هو “صوت صامت”، يعبر عن فقدان الثقة والإحباط.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.