الداعمر اوزيدان.

0 388

القاص محمد الهرݣال

ليس كل الاشخاص الذين يمرون في حياتنا يغادرونها مع مرور الزمن.فبعضهم يبقى حيا في الذاكرة،نستحضره كلما احتجنا الى مثال في الحكمة و الشهامة وسداد الرأي.كان احد هؤلاء رجل من دوار امسكر مازلت اكن له كل المحبة والتقدير.انه الدا عمر اوزيدان.
كان طويل القامة ،يلف راسه بعمامة بيضاء كبيرة تضفي على هيئته هيبة ووقارا.،وتزين وجهه لحية قصيرة مهذبة.اعتاد ان يرتدي عدة جلابيب فوق بعضها،صيفا وشتاء،حتى غدت جزءا من صورته التي لا تفارق الذاكرة.كان يتنقل على ظهر بغلته اثناء رحلاته واسفاره بين الدواوير والاسواق.،فيبدو للناظر رجلا قادما من زمن اخر يفيض بساطة ووقارا.اماوجهه فكان دائم البشاشة،يشرق بابتسامة هادئة تبعث الطمأنينة في النفوس.يتحدث ببطء وروية،فلا ينطق بكلمة الا بعد تفكير وكان لكل عبارة وزنها ومعناها.
لم يكن أهل أمسكر يلجؤون إليه لأنه الأكبر سنًا أو الأغنى مالًا، بل لأنهم كانوا يجدون عنده ما لا يجدونه عند غيره من رجاحة العقل وحسن الإصلاح. فما إن يحتدم خلاف بين شخصين ويحتكما إليه، حتى ينصت إلى كل طرف في هدوء وصبر، ثم يزن الأمور بعدل وإنصاف، فيخرج المتخاصمان وقد انطفأت نار الخصومة، واحتفظ كل واحد منهما باحترامه للآخر. وكانت تلك موهبة نادرة لا يملكها إلا من أوتي الحكمة وسعة الصدر.
وكان يؤمن بأن العلاقات الإنسانية لا ينبغي أن تقوم على منفعة عابرة، بل على المودة والوفاء والثقة، حتى تدوم العمر كله. لذلك كان يحرص على توطيد روابطه بالناس، ويسأل عن أحوالهم، ويقف إلى جانبهم في أفراحهم وأتراحهم، ولا ينتظر منهم جزاء ولا شكورًا. وكان يرى أن الإنسان لا يكبر بما يملك، وإنما بما يتركه في قلوب الآخرين من أثر طيب.
ولم يكن يتردد في تصحيح المفاهيم التي يراها خاطئة، وإن كان يعلم أن كثيرًا من الناس لا يستسيغون من يصحح أخطاءهم. لكنه كان يفعل ذلك برفق ولين، دون تجريح أو استعلاء. وكان يقول، بلسان حاله قبل مقاله، إن الإنسان لا يمكن أن يتغير إلا إذا امتلك هو نفسه الرغبة الصادقة في التغيير، ولذلك لم يكن يفرض رأيه على أحد، بل يكتفي بالنصح والإرشاد، تاركًا لكل إنسان حرية الاختيار. ولعل هذا ما جعل اقتراحاته وحلوله تحظى في الغالب بقبول الناس وتقديرهم، لما اتسمت به من حكمة ورجاحة رأي.
وكان أكثر ما يثير إعجابي فيه نظرته الهادئة إلى الموت. فعلى خلاف كثيرين كان يملؤهم الخوف من نهايتهم المحتومة، كان يتحدث عن الموت بطمأنينة المؤمن، ويراه سنة من سنن الله في خلقه لا مهرب منها. وكان يردد أن الخلود ليس من نصيب البشر، وأن الخوف من الموت يحرم الإنسان نعمة العيش، لكنه لا يؤخر أجله لحظة واحدة. لذلك كان يدعو الناس إلى أن يحيوا حياتهم بصدق، وأن يملؤوها بالخير والعمل الصالح بدل الانشغال الدائم بهاجس الفناء.
وذات يوم، لمح في وجهي حزنًا لم أستطع إخفاءه. كنا نقف بجوار المسجد، فتقدم نحوي، وأمسك بذراعي، وضغط على عضلتي بيده الخشنة التي حفرت فيها سنوات الكد والعمل آثارها، ثم نظر إلي بعينين مملوءتين بالعطف وقال: “يا بني! لا تحمل هم الدنيا. سيكفيك الله ما أهمك، وستنتصر بإذن الله. لا تسمح لأحد بأن يسمم روحك ويطفئ الأمل في قلبك، فالأيام الجميلة قادمة إن شاء الله.” لم تكن كلماته مجرد مواساة عابرة، بل كانت رسالة أمل بقي صداها يرافقني كلما ضاقت بي الحياة.
ومهما امتدت بي السنون، فإن صورة ذلك الرجل لا تزال حاضرة في ذاكرتي كما عرفته أول مرة: طويل القامة، تعلو رأسه عمامة بيضاء، ويركب بغلته بين الدواوير في هدوء ووقار، لكنه كان يحمل في داخله ما هو أعظم من هيئته؛ قلبًا واسعًا، وعقلًا حكيمًا، وإيمانًا عميقًا بالإنسان وبقدرة الكلمة الطيبة على إصلاح النفوس. وما زلت إلى اليوم أعده واحدًا من الرجال الذين كان لهم فضل كبير في تشكيل نظرتي إلى الحياة والناس.
وحين اثقلته السنون وبدأ المرض يداهمه ،سافر إلى مدينة مراكش لزيارة الطبيب.وفي طريق عودته عرج على سوق السمارين واشترى كفنه وكانه قد تصالح مع حقيقة الموت واستعد لها في هدوء.وقد اثار ذلك التصرف دهشة اهل دوار امسكر واستغرابهم،لذلك يكن من السهل عليهم ان يتقبل ان يشتري رجل كفنه بيديه وهو مازال حيا.كان يدرك جيدا الغاية الحقيقية التي يعيش من اجلها وبذلك عاش حياة ذات معنى كرسها لخذمة الناس ووجد في ذلك سعادته ورضاه.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.