✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
مع ٱقتراب الإستحقاقات الإنتخابية في المغرب، يبدأ موسم سياسي لا يشبه بقية المواسم…
موسم تشحذ فيه الخطب، وتلمع فيه الوجوه، وتفتح فيه أبواب الأحزاب على مصراعيها، لا لٱستقبال الأفكار والمشاريع بالضرورة، بل لٱستقبال (القادمين الجدد) الذين ٱكتشفوا، فجأة، أن ٱنتماءهم السياسي القديم لم يعد يناسب مقاسهم الإنتخابي!
إنه موسم “الترحال السياسي” في آخر الدقائق…
ذلك الفن العجيب الذي يجعل بعض السياسيين يتعاملون مع الأحزاب كما يتعامل المسافر مع سيارات الأجرة: «يركب مع من أوصله إلى وجهته، ثم ينزل عند أول منعطف إذا لمح سيارة أخرى أسرع!».
قبل الإنتخابات بسنوات، يكون السياسي مقتنعا بأن حزبه هو (المشروع)، وأن مبادئه هي (الثوابت)، وأن رفاقه هم (الإخوة في النضال)، لكن ما إن تقترب صناديق الإقتراع حتى تبدأ المعجزة السياسية:
يستيقظ فيه حس جديد، ويكتشف أن الحزب الذي قضى داخله سنوات طويلة لم يعد يفهمه، وأن قيادته أخطأت، وأن التنظيم ٱنحرف عن الخط، وأنه «سبحان مبدل الأحوال»، لم يعد يستطيع الإستمرار!
والأجمل أن هذا الٱكتشاف يأتي دائما في التوقيت نفسه تقريبا (عندما تبدأ الحسابات الإنتخابية في العمل!).
فالمبادئ، في بعض الحالات، تشبه بطارية الهاتف (تكون ممتلئة جدا في بداية الولاية، ثم تبدأ في النفاد كلما ٱقترب موعد الإنتخابات)، إلى أن تصل في آخر الأيام إلى نسبة واحد في المائة… وحينها يصبح تغيير الحزب ضرورة وطنية!
وهنا تبدأ الرحلة.
ٱستقالة (تاريخية)، ثم بيان طويل عن (الأسباب الموضوعية)، ثم حديث عن (الديمقراطية الداخلية)، و(التدبير التشارك)»، و(ٱحترام الإرادة الشعبية)، و(ضرورة تجديد الخطاب السياسي)… وبعد ساعات، أو أيام قليلة، يظهر السياسي نفسه في صورة جديدة، إلى جانب حزب جديد، بٱبتسامة واسعة توحي بأنه لم يغادر حزبا قط، بل كان في الحقيقة ينتظر منذ سنوات هذه اللحظة التاريخية!
إنها ليست هجرة سياسية، كما قد يظن البعض… بل إنها (سياحة ٱنتخابية).
والفرق كبير…
المهاجر يبحث عن وطن، أما بعض السياسيين فيبحثون عن مقعد.
والمشكلة ليست في تغيير الحزب بحد ذاته، فالإختلاف السياسي حق، وتغيير القناعة أمر طبيعي في الحياة الديمقراطية، لكن الكارثة تبدأ عندما يتحول تغيير الإنتماء إلى مجرد عملية حسابية:
– أين توجد فرصة أكبر؟
– من يملك التزكية؟
– من يضمن المرتبة؟
– من يملك النفوذ؟
– ومن يستطيع أن يجعل ٱسم المرشح يمر من بوابة الحزب إلى بوابة الجماعة أو البرلمان؟
عندها لا يعود المواطن أمام رجل سياسي يغير قناعته، بل أمام رحالة محترف يحمل حقيبة ٱنتخابية، ويبحث عن أقرب محطة إلى صندوق الإقتراع!
والمشهد الأكثر إثارة للسخرية أن بعض هؤلاء لا يغيرون الحزب فقط، بل يغيرون خطابهم أيضا.
• بالأمس كان الحزب الجديد بالنسبة إليهم عنوانا للفشل، واليوم أصبح مدرسة للديمقراطية.
• بالأمس كانت قيادته (تفتقد الرؤية)، واليوم أصبحت (قيادة حكيمة).
• بالأمس كان برنامجه (شعارات فارغة)، واليوم صار (مشروعا مجتمعيا واعدا).
• بالأمس كان مرشحوه (لا يمثلون تطلعات المواطنين)، واليوم صاروا (كفاءات وطنية).
يا لها من مرونة فكرية!
أما المواطن، فيبقى واقفا على الرصيف، يتابع حركة المرور السياسية، ولا يدري هل نحن أمام ٱنتخابات أم أمام سوق أسبوعي للتزكيات.
وجه هنا، وشعار هناك، وقميص حزبي جديد، وصورة جماعية، وتصريح عن «المرحلة المقبلة»، ثم يبدأ توزيع الوعود كما توزع المنشورات في الأسواق.
وفجأة يتذكر الجميع المواطن.
• المواطن الذي لم يسأل عنه أحد طوال سنوات الولاية، يصبح قبل الإنتخابات (صاحب القرار).
• المواطن الذي لم يسمع صوته أحد، يصبح (شريكا أساسيا).
• المواطن الذي طرق الأبواب ولم يجد أحدا، يصبح (نبض الشارع).
• والمواطن الذي كانت مطالبه مؤجلة منذ سنوات، تتحول مطالبه في الخطاب الإنتخابي إلى (أولويات عاجلة!).
يا سلام!
يبدو أن الإنتخابات المغربية تمتلك قدرة خارقة على ٱكتشاف المواطن، حتى إن بعض السياسيين لا يتذكرون وجوده إلا عندما يبدأ العد التنازلي نحو يوم الإقتراع.
لكن الترحال السياسي في آخر الدقائق يطرح سؤالا أكبر من مجرد ٱنتقال أسماء من حزب إلى آخر:
– ماذا بقي من معنى الإنتماء السياسي؟
– كيف يمكن إقناع المواطن بأن الحزب مشروع ومؤسسة وأفكار، إذا كان بعض السياسيين يتعاملون معه كأنه قميص يمكن تغييره كلما تغير الطقس؟
– وكيف نطلب من الناخب أن يثق في البرامج، بينما يرى بأم عينه أن بعض المرشحين يبدلون مواقعهم أسرع مما يبدلون برامجهم؟
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس ٱنتقال السياسي من حزب إلى حزب، بل ٱنتقال الإنتهازية من مرحلة إلى مرحلة، حتى يصبح الوصول إلى الإنتخابات أهم من الوصول إلى قناعة سياسية حقيقية.
وهنا يصبح الحزب، بالنسبة إلى البعض، مجرد (عنوان بريدي) مؤقت.
• فإذا كان العنوان القديم لا يفتح بابا إلى التزكية، فليكن العنوان الجديد.
• وإذا كان الحزب الأول لا يضمن المقعد، فربما الحزب الثاني يفعل.
• وإذا لم يكن الثاني مناسبا، فهناك دائما ثالث!
المهم ألا تضيع الانتخابات!
والأغرب أن كل ذلك يقدم أحيانا في غلاف أخلاقي شديد اللمعان:
«قرار نابع من قناعة شخصية»، «ٱستجابة لنداء المواطنين»، «ٱختيار لخدمة الصالح العام»…
والله وحده يعلم كم عدد المواطنين الذين ٱتصلوا بهذا السياسي وطالبوه، تحديدا، بتغيير الحزب قبل الإنتخابات بأشهر قليلة!
ربما أصبح المواطن المغربي في السنوات الأخيرة متخصصا في التزكيات الحزبية، ونحن آخر من يعلم!
لكن، بعيدا عن السخرية، فإن الديمقراطية لا تبنى بكثرة التنقل بين المقرات، ولا بعدد الصور المعلقة على الجدران، ولا بحجم الوعود التي تظهر فجأة قبل الإنتخابات.
الديمقراطية تبنى بالثبات على المواقف، وبالمحاسبة، وبالقدرة على الإعتراف بالأخطاء، وبٱحترام ذكاء الناخب.
فالناخب المغربي لم يعد ذلك المواطن الذي يمكن إبهاره بصورة وٱبتسامة ووعود معسولة.
إنه يرى، ويتذكر، ويقارن.
يتذكر من حضر عندما لم تكن هناك ٱنتخابات، ومن ٱختفى عندما ٱنتهت صناديق الإقتراع.
ويتذكر من ظل في موقعه حين كان موقفه مكلفا، ومن غادر عندما أصبحت الكلفة السياسية أعلى من الأرباح الإنتخابية.
وفي النهاية، قد يستطيع السياسي أن يغير الحزب، وأن يغير الشعار، وأن يغير لون الملصقات، وأن يغير صورته الشخصية، وربما حتى طريقة تصفيف شعره!
لكن، هناك شيئا واحدا لا يستطيع تغييره بسهولة:
“ذاكرة الناخب”.
وعندما تفتح صناديق الإقتراع، لن يسأل المواطن السياسي عن عدد الأحزاب التي مر بها، بل سيسأله سؤالا بسيطا وقاسيا:
– أين كنت عندما كنت أحتاجك؟
ذلك هو السؤال الذي لا تنفع معه بيانات الإستقالة، ولا صور الإنضمام، ولا خطب (المرحلة الجديدة).
ففي الإنتخابات، قد ينجح الترحال في تغيير العنوان…
لكن، الصندوق وحده يقرر إن كان الرحالة قد وصل فعلا إلى وجهته، أم أنه أمضى عمره السياسي كله داخل الحافلة، من محطة إلى أخرى، دون أن يصل إلى حيث يوجد المواطن.