الاستحقاقات الانتخابية المقبلة بالمغرب… بين سياسة البرامج وسياسة الفرجة الانتخابية

0 29٬602

 

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود النقاش من جديد حول طبيعة الخطاب السياسي الذي يحتاجه المغرب في هذه المرحلة، وحول المعايير التي ينبغي أن يعتمدها المواطن في تقييم الأحزاب والفاعلين السياسيين. فالمنافسة الديمقراطية، في جوهرها، لا تقاس بحجم الحشود ولا بعدد المقاطع المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، وإنما تقاس بقدرة الأحزاب على تقديم برامج واقعية، ورؤى واضحة، وكفاءات مؤهلة لتدبير الشأن العام.
لقد راكم المغرب، على امتداد عقود، تجربة سياسية وحزبية متنوعة، أفرزت أحزاباً ذات مرجعيات فكرية ومدارس سياسية مختلفة، ساهمت في تأطير الحياة العامة، وفي الدفاع عن قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية، كما ساهمت في تكوين أجيال من الأطر والكفاءات التي تقلدت مسؤوليات حكومية وبرلمانية وجماعية.
ومن بين هذه الأحزاب، يبرز حزب التقدم والاشتراكية الذي يواصل حضوره السياسي من خلال لقاءات ميدانية، وندوات فكرية، ونقاشات حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية، مستنداً إلى رصيد تنظيمي وتاريخ نضالي، وإلى كفاءات سياسية وبرلمانية تسعى إلى الدفاع عن قضايا المواطنين عبر المؤسسات المنتخبة.
كما تظل مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد حاضرة في النقاش العمومي من خلال تنظيمها لقاءات وندوات يشارك فيها أساتذة جامعيون وخبراء وباحثون لمناقشة قضايا الديمقراطية والحكامة والعدالة الاجتماعية والتنمية.
ولا يقتصر الأمر على هذا فقط ، فالمشهد السياسي المغربي يضم أحزاباً أخرى تحرص، بدرجات متفاوتة، على تقديم تصورات وبرامج اقتصادية واجتماعية، وتنظيم لقاءات تأطيرية، وتكوين مناضليها، والتواصل مع المواطنين حول قضايا التعليم، والصحة، والتشغيل، والاستثمار، والسكن، والعدالة المجالية.
وفي المقابل، يلاحظ عدد من المتابعين أن بعض الأحزاب، مع اقتراب كل محطة انتخابية، تميل إلى تكثيف حضورها عبر مشاهد احتفالية واستعراضية، من خلال المشاركة في المواسم الشعبية، وتنظيم الولائم، واستثمار الفنون التراثية والأهازيج الفلكلورية، بما فيها عروض الدقة المراكشية أو أحيدوس أو كناوة وغيرها من التعبيرات الثقافية المغربية الأصيلة.
ولا يكمن الإشكال في هذه الفنون الشعبية نفسها، فهي جزء من التراث الوطني الذي يستحق الحماية والتثمين، وإنما في توظيفها سياسياً عندما تتحول إلى وسيلة لاستمالة الناخبين، أو عندما تطغى الصورة الاحتفالية على النقاش العمومي حول البرامج والحلول.
فالمواطن المغربي اليوم لم يعد يبحث فقط عن المشهد الذي يثير الإعجاب أو يحقق انتشاراً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح ينتظر إجابات دقيقة عن أسئلة تتعلق بغلاء المعيشة، وجودة التعليم، وإصلاح المنظومة الصحية، وفرص الشغل، والسكن، والنقل، والعدالة المجالية، ومحاربة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن الأحزاب التي تؤمن بالعمل السياسي الجاد مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالنزول إلى الميدان، ليس لإقامة الولائم أو تنظيم الاستعراضات، وإنما لفتح نقاشات مباشرة مع المواطنين، والاستماع إلى انشغالاتهم، وتقديم برامج قابلة للتنفيذ، مدعومة بالأرقام والآجال وآليات التتبع والتقييم.
كما أن المسؤولية تقتضي من مختلف الفاعلين السياسيين احترام ذكاء الناخب المغربي، الذي أصبح أكثر وعياً، وأكثر قدرة على التمييز بين الخطاب المبني على الأفكار والمشاريع، والخطاب القائم على التأثير العاطفي والصورة الإعلامية.
ولا يعني ذلك أن التراث الشعبي ينبغي أن يغيب عن الفضاء العام، بل على العكس، فهو عنصر أساسي من الهوية المغربية، غير أن مكانه الطبيعي هو الحفاظ على الموروث الثقافي والاحتفاء به، بعيداً عن أي توظيف قد يخلط بين العمل الثقافي والعمل الانتخابي.
إن الديمقراطية السليمة لا تُقاس بعدد الولائم، ولا بحجم الأهازيج، ولا بعدد مقاطع الفيديو المنتشرة، وإنما بمدى قدرة الأحزاب على إنتاج الأفكار، وصياغة السياسات العمومية، وتأهيل الكفاءات، وتقديم حلول واقعية لمشكلات المواطنين.
وإذا كان المغرب مقبلاً على محطة انتخابية جديدة، فإن الرهان الحقيقي ينبغي أن يكون على تنافس البرامج بدل تنافس المظاهر، وعلى قوة الحجة بدل قوة الفرجة، وعلى الكفاءة والنزاهة بدل التسويق الانتخابي العابر.
فالوطن يحتاج إلى أحزاب تبني الثقة بالفعل والإنجاز، وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وتجعل من السياسة فضاءً لخدمة المواطن، لا مجرد موسم للاحتفال واستعراض الصور. وفي نهاية المطاف، يبقى الفيصل هو وعي الناخب المغربي، الذي يملك وحده سلطة التمييز بين من يخاطب عقله بمشروع ورؤية، ومن يخاطب عاطفته بمشهد عابر سرعان ما ينتهي بانتهاء الموسم الانتخابي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.