رغم ما تعرفه مدينة مراكش، وتحديدًا مقاطعة سيدي يوسف بن علي، من كثافة سكانية وحاجة ملحّة إلى خدمات صحية قريبة وفعالة، ما يزال مستشفى شريفة يشكل نموذجًا صارخًا لهدر الإمكانيات وغياب الرؤية في تدبير المرافق العمومية. هذا المستشفى الذي تم تشييده بمبادرة مشكورة من جمعية حمد بن جاسم القطرية، ورُصدت له ميزانية ضخمة من أجل البناء والتجهيز، تحوّل اليوم إلى بناية صامتة، بلا روح، وبلا أي خدمة صحية تُذكر.
فبدل أن يكون هذا المرفق متنفسًا لساكنة سيدي يوسف بن علي ويخفف الضغط عن المستشفى الجامعي محمد السادس، أصبح دوره يقتصر إن وُجد على توجيه المرضى نحو المستشفى الجامعي، حيث الاكتظاظ الخانق، والطوابير البشرية الطويلة، ومعاناة يومية باتت مشهدًا مألوفًا لا يحتاج إلى وصف.
المفارقة المؤلمة أن التفكير انحصر في تشييد الجدران واقتناء التجهيزات، دون أي تصور واضح بخصوص توفير الموارد البشرية من أطر طبية، وتمريضية، وتقنية قادرة على تشغيل هذا المرفق وضمان استمراريته. والنتيجة: مستشفى حديث من حيث الشكل، لكنه ميت من حيث الوظيفة.
إدارة الجريدة تلقت اتصالات وشكايات عديدة من مواطنين عبروا عن استيائهم العميق من انعدام الخدمات الصحية داخل مستشفى شريفة، وغياب الأطر، وغياب أي حس إنساني داخل بناية يفترض أنها وُجدت لإنقاذ الأرواح. أطفال يصرخون من الألم، نساء يتوجعن، ومصابون يصارعون أوجاعهم، دون تدخل، ودون حتى التفاتة.
لقد “قامت الدنيا ولم تقعد” في لحظة ما، وخرج شباب حركة جيل Z إلى الشارع يطالبون بحقهم في الصحة والتعليم، وخرج وزراء ومسؤولون سياسيون يرددون الشعارات نفسها: نعم، يجب الاعتناء بالصحة والتعليم. رُفعت الميزانيات، عُقدت اللقاءات، ومرّت الأيام والأسابيع والأشهر… لكن دار لقمان بقيت على حالها.
إن استمرار إغلاق مستشفى شريفة أو تشغيله بشكل صوري، يُعد رسالة سلبية للساكنة، ويطرح علامات استفهام كبرى حول مسؤولية الجهات الوصية على قطاع الصحة، وحول جدوى المشاريع التي تُنجز دون إرادة حقيقية لتفعيلها. فمراكش، كمدينة عالمية، وسيدي يوسف بن علي، كمنطقة ذات كثافة سكانية عالية، لا تستحقان مرافق صحية “للتصوير” أو “للافتتاحات الرسمية” فقط، بل تستحقان عرضًا صحيًا حقيقيًا، فعالًا، وإنسانيًا.
إن هذا المقال ليس سوى نداء صريح للجهات المسؤولة: التفتوا إلى مستشفى شريفة، فعّلوا هذه المنشأة الحديثة، وفروا لها الأطر والوسائل، واجعلوا منها مرفقًا يؤدي رسالته النبيلة. فالصحة ليست ترفًا، بل حق دستوري، وتأجيل هذا الحق هو شكل من أشكال الإقصاء الصامت لآلاف المواطنين.
المقال السابق
المقال التالي
قد يعجبك ايضا