
ليست الكوارث الطبيعية إمتحانا لقدرة الدول على التحكم في الطبيعة، بقدر ما هي إختبار صريح لطريقة إدارتها للإنسان حين يفقد كل وسائل الحماية، فالفيضانات لا تفضح ضعف البنيات التحتية فقط، بل تكشف قبل ذلك، عن موقع المواطن داخل سلم أولويات الدولة ،
ما جرى في بعض المناطق الجزائرية خلال الفيضانات ، والتي يقوم بنشرها عدد كبير من المواطنين الجزائرين على مواقع التواصل الإجتماعي ، حيث جرى نقل مواطنين في حاويات نفايات وجرافات ، لا يمكن إختزاله في منطق “الضرورة” أو “الاستعجال” لأن الضرورة مهما كانت قاسية، لا تسقط السؤال الأخلاقي كيف ترى دولة العسكر مواطنيها في لحظة الخطر ؟ هل بإعتبارهم بشرا لهم كرامة، أم مجرد أجساد يجب إخلاؤها بأسرع وسيلة متاحة؟
المؤلم في هذه المشاهد ليس فقط قسوتها، بل صمت الخطاب الرسمي عن بعدها الرمزي ، لم نسمع نقاشا جديا حول كرامة هؤلاء المواطين، ولا مساءلة طريقة التدخل، بل إكتفى إعلام الكبرنات بالصمت ، وكأن الإهانة تصبح مقبولة متى إرتدت لباس “الطوارئ” ….

هذه الوقائع تكتسب دلالة أعمق حين تقرأ في سياق سياسي أوسع.
فالدولة الجزائرية خصصت، خلال السنوات الأخيرة جزءا معتبرا من خطابها السياسي والإعلامي لمهاجمة المملكة المغربية الشريفة ، وتحويلها إلى خصم دائم في الوعي الداخلي من أجل صناعة عدو خارجي يعيد ترتيب الغضب الشعبي، ويؤجل طرح الأسئلة الحقيقية المرتبطة بالحكامة و الكرامة والجاهزية عند الأزمات الطبيعية .
غير أن الكوارث لا تعترف بالخطابات ، ولا تنتظر إكتمال الرواية الرسمية… فهي تأتي فجأة، وتفرض إمتحانا عمليا لا يقاس بالشعارات ، بل بالأفعال وعندما يهان المواطن في لحظة ضعفه، تسقط تلقائيا كل سرديات “الدولة القوية” .
فالدولة القوية ليست تلك التي تتقن توجيه الرأي العام ضد الخارج، بل تلك التي تحسن تدبير الداخل، خاصة في أقسى الظروف ، والقوة الحقيقية لا تقاس بحدة الخطاب السياسي، بل بقدرة المؤسسات على حماية الإنسان دون المساس بكرامته.
ليس هذا المقال دعوة للشماتة، ولا مقارنة بين الشعوب، فالشعب الجزائري مثل غيره، ضحية خيارات سياسية لا يستشار فيها، لكن من حق كل متابع أن يتساءل ،كيف لدولة تتقن هندسة العداء السياسي، أن تعجز عن هندسة تدخل إنساني يحترم مواطنيها؟؟؟؟
فالفيضانات في نهاية المطاف، لم تكشف فقط هشاشة بعض البنيات، بل كشفت هشاشة تصور دولة الجزائر لمعنى الدولة نفسها ، لأن دولة الجزائر حين تفرغ مواطنيها من الكرامة، تفقد أهم مبرر لوجودها، مهما إرتفعت الشعارات، ومهما إشتد الضجيج .. الجزائر ليست بلدا فقيرا، ولا دولة منكوبة بلا موارد .
إنها دولة نفط وغاز، دولة ثروة كان من المفترض أن تترجم إلى كرامة، لا إلى حاويات نفايات، وحين يهان المواطن في بلد يطفو على البترول، فالمشكلة لا تكون في الطبيعة ولا في الإمكانيات، بل في من يحتكر القرار ويبدد الثروة دون مساءلة.
و السؤال الذي لا يمكن الهروب منه اليوم هو كيف يذل المواطن الجزائري في دولة غنية؟ وأين تذهب ثروات بلاده حين يعجز النظام عن توفير أبسط شروط الإنقاذ الإنساني؟ صحيح أن النفط لا يمنع الفيضانات، لكنه كفيل بأن يمنع الإهانة… إن وجدت دولة تحترم شعبها.
هنا يصبح السؤال موجها إلى الشعب الجزائري نفسه، لا بلهجة إستعلاء، بل بمرارة الواقع
هل يفكر في من يقرر بإسمه؟ هل يسائل من يتحكم في ثروته؟ وهل يقبل أن تدار كرامته بعقلية الطوارئ الدائمة؟ لأن الشعوب لا تهان فجأة بل تهان حين يصادر حقها في الإختيار والمحاسبة ،وحين يمنع عنها السؤال السياسي الحقيقي من يحكم؟ ولماذا؟ ولصالح من؟
وفي بلد غني تهان فيه الكرامة ، لا تكون الكارثة فيضانا عابرا، بل نظاما كاملا لم يعد يرى في الإنسان سوى عبء، رغم أنه يجلس فوق ثروة تكفي لحمايته.