الكراسي العلمية بالمغرب .. منابر تعليمية أصيلة من أجل تيسير سبل تحصيل العلوم المرتبطة بالشريعة الإسلامية

0 622

تدخل تجربة الكراسي العلمية بالمساجد المغربية، مع مطلع سنة 2016، سنتها السادسة، حيث تم إنشاؤها من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في شهر أبريل من عام 2010 كتجربة راهنت عليها السلطات الدينية بهدف تقديم دروس في علم العقيدة والفقه والتفسير والتصوف السني والنحو والقراءات والتجويد والسيرة النبوية.

وقد اقتصر الأمر عند انطلاق مشروع هذه الكراسي العلمية على بعض مساجد العاصمة الرباط، ليتوسع هذا المشروع أكثر وينضاف إليه علماء آخرون ومواد أخرى ومساجد أخرى ومدن أخرى.

وفي هذا الصدد، قال الأستاذ عبد الكامل بولعمان، الواعظ بالمجلس العلمي المحلي للرباط والباحث في مجال التصوف والعقيدة، في إضاءات لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن هذه الكراسي العلمية وحلقات العلم لاقت إقبالا وقبولا ونجاحا منذ بدايتها بدليل الاهتمام الكبير من لدن المغاربة الذين أدركوا خصوصية هذه الدروس التي يؤطرها علماء أكفاء.

وأضاف أنه إذا كانت الكراسي العلمية ليست وليدة اليوم فهي سنة قديمة في المغرب أشرف عليها سلاطين الدولة العلوية الشريفة، وهي في عهد أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس تأخذ نفسا جديدا تنفيذا للتوجيهات المولوية، وذلك من خلال إناطة الإشراف عليها لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والمجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية المحلية والمندوبيات الجهوية.

وبين الأستاذ بولعمان أن هذه الكراسي العلمية تتمثل في كرسي الإمام ابن آجروم في مادة النحو، وكرسي الإمام أبي الحسن الأشعري في مادة العقيدة الأشعرية، وكرسي الإمام نافع في مادة القراءات والتجويد، وكرسي الإمام ورش في مادة التجويد، علاوة على كرسي الإمام الجنيد في مادة التصوف السني، وكرسي الإمام ابن عطية في مادة التفسير، وكرسي الإمام مالك في مادة الفقه، وكرسي الإمام الزقاق في مادة القواعد الفقهية، وكرسي القاضي عياض عياض في مادة الشمائل النبوية، وكرسي الإمام القرافي في مادة أصول الفقه، وكرسي الإمام الشاطبي في مادة القراءات السبع، وكرسي الإمام السهيلي في مادة السيرة النبوية.

ومشروع الكراسي العلمية، حسب تعريفه بموقع “الكراسي العلمية .. بصائر وبشائر”، هو عمل تعليمي أصيل يراد منه تيسير سبل تحصيل العلوم المرتبطة بالشريعة الإسلامية وتقريبها من كافة الناس وإشاعتها بينهم، حماية لعقيدتهم وفكرهم، وترسيخا للمنهج الوسطي المعتدل في فهم الدين الإسلامي الحنيف.

وقال الأستاذ بولعمان موضحا ذلك إن الكراسي العلمية بالمساجد ترتكز على ترسيخ الثوابت الدينية للمغرب في البناء الفكري والثقافي والعلمي للمجتمع، والمتمثلة في العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، وتصوف الإمام الجنيد، وإمارة المؤمنين.

ويهدف مشروع الكراسي العلمية إلى تقريب العلماء من الناس قصد تبصيرهم بأمور الدين الإسلامي الحنيف، وإعادة إحياء دور المساجد بحيث لا تقتصر وظيفتها على استقبال المصلين خلال أوقات الصلاة، بل تصبح، كما كانت من قبل، مراكز ثقافية وعلمية وقبلة للراغبين في تعلم أمور الدين واللغة العربية، والمساهمة الفعلية في التعريف بالثوابت الدينية للأمة المغربية وبيان دورها في تحقيق الوحدة التي يتمتع بها المغاربة منذ قرون.

وإن موجبات إطلاق هذه الكراسي العلمية كثيرة ومتنوعة، وتتعلق أساسا بموجب تاريخي ينطلق من أن تدريس علوم الشريعة عبر التاريخº إنما كان يتم بالمساجد من خلال حلقات العلم التي يشرف عليها كبار العلماء من مختلف التخصصات، والحاجة ماسة اليوم إلى إحياء ذلك الموروث ربطا لحاضر الأمة بماضيها، وحفظا لثوابتها وعقيدتها، وكذا بموجب حضاري يتمثل في ضرورة صيانة المقدسات الروحية التي تحفظ للأمة هويتها الحضارية، وتحصنها من كل ما يداخلها مما هو أجنبي عنها، وليس من سبيل إلى ذلك إلا بنشر العلم ومدارسته وتعميمه وتمكين عموم الناس منه كي ينهلوا من معينه ويرتووا من ينابيعه.

أما الموجبان الثالث والرابع فيتعلقان بالجانب الشرعي ذلك أنه يجب شرعا وجوبا كفائيا على الأمة أن توفر سبل المعرفة الدينية لكل أفرادها، وأن تحيي دور المسجد في تأطير الحياة الروحية لكل المنتسبين إليها، توجيها لهم بما يتفق مع روح الإسلام في وسطيته واعتداله وصفاء عقيدته. وبالجانب الواقعي الذي يحتم إيجاد هذا العمل بصورة منظمة تنظيما جيدا، ويشرف عليه جهاز إداري رسمي يتتبع مراحله ويطوره بحسب ما تستوجبه الحاجة ويتطلبه الجهد.

وقد أكدت مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينين، في تقديم لها لهذا المشروع العلمي على صفحتها الالكترونية، أنها انخرطت في هذا المشروع العلمي إيمانا منها بضرورة الانخراط في كل جهد يراد منه تعزيز ذلك المكتسبº ووعيا منها بمركزية القيم الديني ودوره المحوري في تحقيق هذا المبتغى.

إن هذا المشروع العلمي الهام، تضيف المؤسسة، يسهر على إنجازه نخبة من العلماء الذين هم قيمون دينيون منخرطون بالمؤسسة، ويستهدف أساسا كل القيمين الدينيين العاملين بالمساجد، وخاصة الأئمة والخطباء والوعاظ، ثم طلبة العلم الذين هم مشروع قيم ديني في المستقبل، ثم سائر أفراد المجتمع ممن لهم اهتمام بتحصيل العلوم الدينية، معتبرة أن مثل هذا العمل سيكون له إسهام فعلي في تحقيق التنمية البشرية بمفهومها الشامل، الذي يريده ويرسخه أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس.

ومما جاء في المنطوق السامي، في هذا الشأن، قول جلالة الملك في رسالة ملكية بتاريخ 17 يوليوز 2009 “إن أي تنمية للإنسان لا تأخذ بعين الاعتبار بعديه الروحي والجسدي، تظل ناقصة وبدون جدوى، وبالتالي لن يتحقق معها التوازن المبتغى والإصلاح المنشود”.

وأكدت المؤسسة أن الحاجة أصبحت ماسة اليوم إلى إحياء مثل هذه النماذج، وإلى إعادة الدور التعليمي التنويري للمسجد، وإبراز وظيفة العلماء في تثقيف الناس وتوعيتهم بقضايا دينهم الحنيف، وهو الأمر الذي ما فتئ أمير المؤمنين يؤكد عليه ويدعو إليه، بقوله في خطاب العرش لسنة 2007 “إننا نؤكد على ضرورة نهوض العلماء والمثقفين وهيئاتهم بمسؤولياتهم في التوجيه والتنوير، وإذا كان من طبيعة الفكر أن يمر بفترات مد وجزرº فإنه من غير المقبول جعل أزمة الفكر تترك المجال فارغا للترويج لفكر الأزمة، فبلادنا في أمس الحاجة لبعث صحوة دينية متنورة ونهضة فكرية عصرية … “.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.