حين يُحاصر الحلم… من يُدافع عن الطلبة في دولة الحق والقانون؟

مولاي بوبكر شريف : بيان مراكش

لم يكن اختيار مهنة المحاماة، بالنسبة لآلاف الطلبة المغاربة، مجرد نزوة عابرة أو رهان سهل، بل كان مشروع حياة بُني على سنوات من التحصيل، والتضحية، والاغتراب عن الأسرة، ومواجهة قسوة العيش، أملاً في الاندماج داخل منظومة يفترض أنها تجسد دولة الحق والقانون.
غير أن ما نعيشه اليوم يبعث على القلق العميق، ويطرح تساؤلات مشروعة حول المسار الذي تسلكه السياسات العمومية المرتبطة بتنظيم المهن القانونية، وعلى رأسها مهنة المحاماة، في ظل تصريحات وإجراءات توحي بتغييرات جذرية تُطرح خارج منطق التشاور المؤسساتي، وبدون استحضار الكلفة الاجتماعية والحقوقية المترتبة عنها.
إن أخطر ما في هذه التوجهات ليس ما تمسّه من وضع المحامي أو الأستاذ الممارس، بل ما تُحدثه من ضربة مباشرة في عمق الأمل لدى الطالب الجامعي، وحامل شهادة البكالوريا، وكل شاب راهن على العلم كوسيلة للترقي الاجتماعي. فحين تُغيَّر قواعد الولوج إلى المهن بعد سنوات من الالتزام والمسار الأكاديمي، يتحول القانون من أداة تنظيم إلى عامل إقصاء.
والأدهى من ذلك، أن بعض هذه التغييرات تُبرَّر بمعايير لا تستقيم مع طبيعة المهنة ذاتها، وعلى رأسها معيار السن. فإذا كان هذا المعيار يُناقَش في إطار الوظيفة العمومية بدعوى الحفاظ على التوازنات المالية لصناديق التقاعد، فإن إسقاطه على مهنة حرة كالمحاماة يطرح أكثر من علامة استفهام، ويكشف خلطًا غير مبرر بين منطقين مختلفين تمامًا.
الأمر هنا لا يتعلق بتفاصيل تقنية أو تنظيمية، بل بمبدأ دستوري أصيل: الأمن القانوني وتكافؤ الفرص. فالدستور المغربي ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى ضمان الولوج المتكافئ للحقوق، وعلى احترام الحريات الفردية والجماعية، كما يكرس دور البرلمان باعتباره السلطة الأصلية في التشريع.
ومن هذا المنطلق، يصبح التساؤل مشروعًا:
أين البرلمان من هذه التحولات؟ وأين اللجان الدستورية والقضائية؟ وأين هي الهيئات الحقوقية من مسار يُنذر بتقويض الثقة في المؤسسات، ويُفرغ مبدأ دولة القانون من مضمونه الاجتماعي؟
إن استمرار تمرير اختيارات كبرى تمس مستقبل فئات واسعة من الشباب، دون نقاش عمومي حقيقي، ودون إشراك المعنيين المباشرين، لا يخدم الاستقرار الاجتماعي ولا يعزز الثقة في الإصلاح. بل على العكس، يكرّس الإحباط، ويدفع إلى القطيعة مع الوطن، في زمن نحن في أمسّ الحاجة فيه إلى استعادة الثقة لا تبديدها.
إن مراجعة دور الحكومة، وتحديد حدود تدخلها في تنظيم المهن، واحترام المسار التشريعي الديمقراطي، لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة دستورية وأخلاقية. فالدولة التي تراهن على المستقبل لا تُحاصر أحلام شبابها، بل تفتح أمامهم الأفق، وتُصلح بالإنصات لا بالإقصاء.

Comments (0)
Add Comment