هذه خاطرة كتبتها عن ثلاثة من “ديناموات” فضاء جامع الفنا.

 

من إنجاز ذ.محمد الهرݣال

 

كثيرًا ما كنت أزور ساحة جامع الفنا، ذلك الفضاء الشعبي الواسع الذي كان يشكل بالنسبة لي عالمًا قائمًا بذاته، ومتنفسًا للفرجة والتسلية إلى جانب السينما وملعب الحارثي. كنت أجد فيها ما لا أجده في أي مكان آخر؛ حياة نابضة، وأصواتًا متداخلة، ووجوهًا تحمل حكايات لا تنتهي.

كنت مولعًا بحلقة مبارك الطيمومي، المعروف بـ”الألوان السبعة”، وبحلقة البشير الغماتي، الملقب بـ”دكتور الحشرات”. كان مبارك الطيمومي يأسرني بثقافته الواسعة وفلسفته الخاصة؛ يناقش قضايا اجتماعية بأسلوب يجمع بين الجد والهزل، وينحاز إلى البسطاء والمهمشين. أحيانًا كان يجلس القرفصاء، وأحيانًا يقف على رجل واحدة، في مشهد يزيده فرادة. كان نقده لاذعًا، وسخريته من الواقع حادة، لكن أكثر ما كان يدهشني إتقانه للعربية والفرنسية معًا، فكنت أتساءل في كل مرة: كيف لهذا الرجل أن يكون مجرد صاحب حلقة؟

أما البشير الغماتي، أو “دكتور الحشرات”، فكان ينعش حلقته بخفة دمه وبلاغته، ولازمته الشهيرة: “كولو واغا”. كان يعتبر الحلقة قسمًا دراسيًا، والمتفرجين تلاميذ مطالبين بالانضباط والانصات. ومن طرائفه أنه كان ما إن يجمع خمسين درهمًا حتى يودع الجمهور وينصرف. وذات مرة، زاره الأستاذ الطيب الصديقي، وأعطاه مائة درهم، فما كان منه إلا أن التفت إلى الحاضرين وقال ضاحكًا: “أخوكم عطاني مائة درهم… عندكم يومين عطلة!”

لكن أكثر ما كان يشدني إلى ساحة جامع الفنا هو الحكواتي الذي كان ينصب حلقته أمام جامع خربوش. كان متخصصًا في رواية قصة سيف بن ذي يزن، تلك الحكاية التي كانت تحملني إلى عوالم بين التاريخ والأسطورة، وتفتح في خيالي أبوابًا لا تنتهي. كان صوته جهوريًا، وحركاته مدروسة، وله قدرة عجيبة على أسر انتباه المستمعين.

كانت حلقته تبدأ بعد صلاة العصر، بعد أن يكون الجمع قد اكتمل، ولا يشرع في الحكي إلا بعد أن يجمع ما تيسر من المال. كانت القصة تُروى على شكل حلقات، جزءًا بعد جزء، كل يوم فصل جديد. وما إن يُرفع أذان المغرب حتى يتوقف، ويصلي على النبي، ثم يختار بذكاء لحظة مشوقة يقطع عندها السرد، ليُبقي القلوب معلقة بما سيأتي. وكان يختم دائمًا بدعائه: “اللهم فرّقنا بلا ذنوب”، ليتفرق الجمع بعدها، وكل واحد يحمل في داخله شوقًا للعودة من جديد.

هناك، في تلك الحلقات، بدأت أكتشف أن الحكاية ليست مجرد تسلية، بل عالم كامل يصنع الخيال ويغذي الروح.

 

 

Comments (0)
Add Comment