نحكي ليكم جميع» قصيدة الشهادة والوعي في شعر أبي الغضب.

متابعة الأديب والشاعر حامد الزيدوحي

 

بقلم / خالد شريف *

تندرج قصيدة «نحكي ليكم جميع» للشاعر أبي الغضب (نصرالدين خيامي بلمهدي) ضمن شعر المقاومة الشعبية، حيث تتقاطع فيها الرثائية بالسياسية، والوجدانية بالفعل التحريضي، لتغدو القصيدة بيانًا شعريًا موجّهًا إلى الجماعة، لا مرثيةً فردية فحسب.
الإهداء إلى روح الشهيد أحمد بنعمار يفتح النص منذ بدايته على أفق مأساوي واضح، لكنه لا يغلقه على الحزن، بل يحوّله إلى طاقة وعي ومساءلة.
من الرثاء إلى الخطاب الجماعي
لا يتعامل الشاعر مع خبر الاغتيال بوصفه واقعة معزولة، بل يضعه في سياق منظومة ظلم أشمل. فالخبر يأتي «مغلف بالحزان»، والناس «تايهة»، والمسؤول متخفٍّ، في صورة ترسم ملامح واقع سياسي يقوم على القهر والتواطؤ.
غير أن الشاعر لا يقف عند حدود التشخيص، بل يوجّه خطابه مباشرة إلى الناس:
«يا ولاد اليوم / الخوف مضى»، في انتقال واضح من سرد المأساة إلى نداء الفعل.
الرؤية الشعرية: يقين زوال الظلم
تقوم الرؤية المركزية للقصيدة على إيمان حتمي بأن الظلم، مهما طال، إلى زوال. هذا اليقين لا يأتي بوصفه وعدًا غيبيًا، بل نتيجة منطقية للصراع بين الظلمة والنور.
يتكرر هذا المعنى في الخاتمة التي تؤكد أن:
«كل ليل وليه نهاية
وكل نهار وليه بدابة»
وهي خلاصة فلسفية شعبية تختصر تصور الشاعر للتاريخ بوصفه حركة لا تعرف السكون.
الصورة الشعرية: رمزية مباشرة وفعّالة
تعتمد القصيدة على صور رمزية حادة مستمدة من الواقع اليومي:
الغراب الذي يحوم في السماء رمز للموت والشؤم وسيطرة الخوف.
دفن المغدور تحت تراب الطاغي صورة تجمع بين القتل الجسدي وطمس الحقيقة.
الطير الحر المقيّد استعارة واضحة للحرية المسلوبة، تقابلها حتمية الثورة الجماعية:
«إلى كتفوا الطير الحر / لازم تثور الطيور الحرة».
هذه الصور، وإن بدت مباشرة، فإنها تؤدي وظيفتها بفاعلية، لأنها تخاطب الوجدان الجمعي دون تعقيد.
اللغة واللهجة: موقف جمالي وسياسي
اختيار الشاعر للهجة المغاربية ليس اختيارًا عفويًا، بل هو موقف بحد ذاته. فاللهجة هنا:
تقاوم لغة السلطة الرسمية
تمنح النص صدقًا شعبيًا
تحوّل القصيدة إلى خطاب قريب من الهتاف والبيان
اللغة بسيطة، مشحونة بالفعل والأمر والنداء، وتخلو من الزخرفة المتكلّفة، بما ينسجم مع طبيعة النص الاحتجاجية.
الإيقاع والتكرار: موسيقى النداء
لا تلتزم القصيدة بوزن خليلي صارم، لكنها تمتلك إيقاعها الخاص القائم على:
التكرار («نحكي ليكم جميع»، «سمع»)
التوازي التركيبي
النبرة الخطابية العالية
هذا الإيقاع يجعل النص أقرب إلى قصيدة تُلقى أو تُنشد، حيث تكون الموسيقى نابعة من الصوت والمعنى لا من العروض وحده.
القصيدة بوصفها شهادة
في المحصلة، لا تقدّم «نحكي ليكم جميع» الشهيد بوصفه ذكرى منتهية، بل بوصفه شهادة حيّة تُدين الظلم وتفضح انقلاب القيم، حيث:
«يصير الكذاب صادق
وصادق كذاب»
وهي عبارة تختصر جوهر الأزمة الأخلاقية في زمن الاستبداد.
خاتمة
تمثل هذه القصيدة نموذجًا صادقًا لشعر المقاومة الشعبية، حيث تتقدّم الرسالة والالتزام على الزينة اللغوية، دون أن تفقد القصيدة قيمتها الفنية. إنها نص يقول بوضوح إن الصمت خيانة، وإن الكلمة، مهما بدت بسيطة، قادرة على كسر الموج، وفتح أفق النهار.

* كاتب ومسرحي مغربي

Comments (0)
Add Comment