في الوقت الذي يفترض فيه أن تظل المؤسسات العمومية هي الفضاء الطبيعي لاستقبال المواطنين، والإنصات إلى مطالبهم، ومعالجة ملفاتهم وفق المساطر القانونية والإدارية المعمول بها، يطفو على السطح نقاش جديد حول لجوء بعض المسؤولين المحليين إلى مجموعات تطبيق “واتساب” باعتبارها وسيلة للتواصل مع الساكنة، في خطوة يراها البعض تواصلاً مباشراً، بينما يعتبرها آخرون محاولة لتعويض الأدوار الأساسية للمؤسسات.
ويطرح هذا التوجه أكثر من علامة استفهام، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تدخل في صميم اختصاصات المرفق العمومي، من شكايات وطلبات وتظلمات تحتاج إلى مساطر قانونية، وتتطلب وثائق ومحاضر وآجالاً محددة للمعالجة، وليس مجرد رسائل إلكترونية قد تظل دون أثر إداري أو قانوني.
ويزداد هذا النقاش حدة عندما يتساءل مواطنون: إذا كانت المؤسسة هي الجهة المخول لها قانوناً استقبال المرتفقين، فلماذا يُطلب منهم اللجوء إلى مجموعة على “واتساب” بدل التوجه إلى مقر المؤسسة؟ وهل أصبح الهاتف المحمول بديلاً عن الإدارة العمومية، أم أن الأمر يتعلق فقط بوسيلة تواصل إضافية لا يمكن أن تعوض الآليات المؤسساتية؟
وتتجدد هذه الأسئلة في سياق سياسي حساس، مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، حيث يرى عدد من المتابعين أن تكثيف الحضور عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد يندرج ضمن محاولات استعادة ثقة جزء من الرأي العام، خاصة بعد ولاية جماعية كارتية امتدت لأكثر من أربع سنوات،ينتظر المواطنون في نهايتها حصيلة واضحة لما تحقق من مشاريع وبرامج تنموية على أرض الواقع.
فالمواطن، في نهاية المطاف، لا يقيس أداء المسؤول بعدد الرسائل المتبادلة داخل المجموعات الرقمية، وإنما بما تحقق من منجزات ملموسة إن وجدت، وجودة الخدمات المقدمة إن توفرت، وسرعة الاستجابة لمطالبه عبر المؤسسات التي يمولها من المال العام.
ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن وسائل التواصل الاجتماعي تظل أدوات مهمة لتقريب الإدارة من المواطنين، لكنها لا يمكن أن تحل محل المرافق العمومية، ولا أن تصبح بديلاً عن مكاتب الضبط، أو مصالح الاستقبال، أو قنوات التظلم القانونية، لأن دولة المؤسسات تقوم على قواعد وإجراءات تضمن المساواة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل نحن أمام تطوير لأساليب التواصل مع المواطنين، أم أمام محاولة لتعويض ضعف الأداء المؤسساتي بحضور افتراضي على منصات التواصل الاجتماعي؟ وهل تستطيع مجموعات “واتساب” أن تعوض مؤسسة دستورية تخدم أكثر من مائة ألف نسمة، في عزل قضائي لجل نواب المسؤول المباشر أم أن المواطن سيظل في حاجة إلى مسؤول كفؤ وإدارة قوية ، حاضرة، ومنفتحة، تستقبل مطالبه داخل أسوارها قبل شاشات الهواتف؟
إنها أسئلة يفرضها الواقع، ويظل الجواب عنها رهيناً بما يلمسه المواطن من نتائج ملموسة، لا بما يقرأه في الإشعارات الرقمية أو الرسائل المتداولة داخل المجموعات الافتراضية.