ناقشت الطالبة الباحثة لبنى الجود، يوم السبت 18 أكتوبر، في رحاب جامعة مولاي سليمان المرموقة، كلية الآداب و العلوم الإنسانية ، بقطب الدراسات في الدكتوراه، أطروحتها لنيل درجة الدكتوراة، و قد حازت بجدارة على تقدير مشرف جدًا.
جاءت هذه الأطروحة العميقة فكريًا بعنوان «الأدب اليهودي-المغاربي: تقاطعات ثقافية وتأكيد الهوية في روايات ناين موعاتي، مريم بن، والقصص والحكايات لإليزا شمينتي». وقد أُنجز هذا البحث تحت إشراف السيدة الدكتورة فاطمة الزهراء صالح، أستاذة التعليم العالي البارزة، التي ساهمت برعاية علمية متقنة في توجيه هذا العمل، والذي جمع بين الصرامة العلمية والعمق التحليلي، ما يعكس الجدية والجودة العالية لهذا البحث.
تألفت لجنة المناقشة، التي ترأسها الدكتور عبد الله جغنين ، من الأساتذة المرموقين الدكتور عز الدين نزهي و الدكتورة كريمة بوحسون ، الذين أسهموا بخبراتهم وحسن تقديرهم طوال عملية التقييم.
وحضر المناقشة أيضًا الدكتور أحمد قادم ، عميد كلية اللغة العربية، إلى جانب العديد من الأساتذة البارزين من جامعة القاضي عياض بمراكش، مما أضفى على هذا الحدث أهمية خاصة وأبرز الدور الحيوي لهذا العمل في مجال الدراسات الأدبية بالمغرب.
لقد نال إلتزام السيدة لبنى الجود الفكري والمستوى الأكاديمي العالي لأطروحتها إعجاب الحضور، بإعتبارها مساهمة قيمة في دراسة الأدب اليهودي-المغاربي في سياق تاريخي معقد.
تميز هذا العمل بمنهجيته المقارنة التي قامت بتحليل أعمال ثلاث كاتبات يهوديات من المغرب الكبير، عشن في فترة حاسمة من تاريخ المنطقة، وهي فترة الإستعمار الفرنسي. إستكشفت هذه الدراسة الديناميكيات الثقافية المتداخلة، التوترات الهوياتية، والآليات التكيفية التي طورتها المجتمعات اليهودية، مع إيلاء إهتمام خاص للسياق السياسي الذي كان يلعب دورًا جوهريًا في التحليل.
لقد ارتبطت أطروحة لبنى الجود بحقبة كانت فيها الهيمنة الثقافية والسياسية الفرنسية مفروضة على السكان المحليين. وكان لهذا السياق الاستعماري تأثير عميق في علاقات القوة بين المجتمعات اليهودية، الإسلامية والمسيحية، التي كانت تعيش في محيط يشهد تغييرات جذرية. أدت السياسات الإستعمارية، التي سعت إلى فرض الثقافة الفرنسية وتهميش الهويات الأصلية، إلى ظهور توترات هوياتية عميقة.
تميزت الأطروحة بتحليلها المقارن لقصص ثلاث كاتبات: نين مواتي، مريم بن، وإليزا شمينتي. كل منهن، من خلال رؤيتها الخاصة، إستكشفت تفاعلاتها الثقافية والهوياتية في مجتمعاتهن اليهودية في مواجهة التأثير الاستعماري. قدمن من خلال رواياتهن وحكاياتهن سرديات غنية ودقيقة حول كيفية تشكل الهوية والحفاظ عليها في ظل سياق سياسي مضطرب. على سبيل المثال، تناولت نين مواتي، في روايتها *”جميلات تونس” (Les Belles de Tunis)*، التمييز الداخلي داخل المجتمع اليهودي، مسلطة الضوء على الانقسامات الثقافية والعرقية التي كانت قائمة حتى بين اليهود من أصول مختلفة، أما مريم بن، في روايتها “صابرينا، لقد سرقوا حياتك” (Sabrina ils t’ont volé ta vie)، فقد تناولت التوترات بين النساء اليهوديات والمسلمات التي تفاقمت بسبب الفوارق في المكانة الاجتماعية والحرية. في حين ركزت إليزا شمينتي، من خلال حكاياتها مثل “حواءات مغربيات (Èves marocaines)، على ولاء النساء اليهوديات المغربيات لأسرهن وتمسكهن القوي بالحفاظ على هويتهن.
عزز الاستعمار الفرنسي آليات الاستيعاب الثقافي، مثل فرض اللغة الفرنسية في المدارس والإدارات، وكذلك إدخال المعايير الأوروبية في اللباس وأسلوب الحياة، وقد وجد اليهود المغاربيون أنفسهم بشكل خاص في خضم هذا التحول، خاصة في الجزائر، حيث منحهم مرسوم كريميو Crémieux لعام 1870 الجنسية الفرنسية، مما أدى إلى إبعادهم عن السكان المسلمين. إستكشفت الأطروحة كيف أدى هذا الاستيعاب القسري إلى قطيعة تدريجية مع الجذور المحلية. ومع ذلك، استطاعت المجتمعات اليهودية في المغرب الكبير تطوير إستراتيجيات متعددة للحفاظ على هويتها في مواجهة هذه الضغوط، فقامت لبنى الجود بتحليل آليات المقاومة التي تم تفعيلها، مثل حظر الزواج المختلط، الحفاظ على الأعياد الدينية مثل السبت، وإستخدام اللغة اليهودية-العربية في المنازل، وكان النقل الشفهي للتقاليد، عبر الحكايات والأساطير، يلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على الذاكرة الجماعية، كما تظهر في قصص إليزا شمينتي.
يكمن أحد الإنجازات الرئيسية للأطروحة في استكشافها لتأكيد الهوية لدى اليهود المغاربيين من خلال الأعمال المدروسة، و تكشف هذه الروايات، التي غالبًا ما تُروى بأصوات نسائية، عن نضال المجتمعات للحفاظ على هويتها الدينية والثقافية في بيئة سياسية معادية، فرض فيها الإستعمار نظامًا اجتماعيًا وعرقيًا زاد من التوترات بين المجتمعات، وتشهد روايات نين مواتي، مريم بن، وإليزا شمينتي على هذه الصراعات، ففي الجزائر وتونس، أدى الاستيعاب الثقافي إلى انفصال اليهود عن جذورهم المحلية، بينما في المغرب، تمكن المجتمع اليهودي من الحفاظ على تقاليده ومكانته بفضل سياسة التعايش السلمي التي تبناها الملك محمد الخامس ، طيب الله ثراه، وقد سمحت هذه المقاربة الأكثر إنسجامًا للمجتمع اليهودي المغربي بمقاومة الاستيعاب القسري، مع الحفاظ على علاقات سلمية مع الأغلبية المسلمة.
تقدم أطروحة لبنى الجود رؤية ثمينة حول كيفية تصوير الكاتبات نين مواتي، مريم بن، وإليزا شمينتي، للتحديات الهوياتية التي واجهها اليهود المغاربيون خلال فترة الاستعمار الفرنسي، من خلال تحليل التقاطعات الثقافية وآليات المقاومة، كما تناول هذا البحث الأكاديمي كيفية تمكن هذه المجتمعات من مقاومة الإستيعاب الثقافي بشكل متفاوت، مع تأكيد هويتها في سياق سياسي معقد .
ففي الوقت الذي شكل فيه المغرب حالة متفردة في إحترام الثقافة اليهودية داخل المجتمع، مما مكنه بعد ذلك من الحفاظ على علاقته الوطيدة بأبنائه ، كان يهود تونس المجنسون حاملون لجرح تسليمهم للنازية من طرف الباي ، كما أشارت له الكاتبة نين مواتي و هي تسرد أحداثا مروعة عن طريق شخصيات قريبة للواقع في روايتها ” جميلات تونس” , أما في الجزائر فقد جنس كل اليهود ، وفور نهاية الإستعمار الفرنسي، هاجر يهود تونس و الجزائر خارج أوطانهم ، قاطعين بذلك أية صلة بأصولهم .
يفتح هذا العمل آفاقًا جديدة لدراسة الأدب اليهودي-المغاربي، ويؤكد على أهمية السياق التاريخي في تشكيل الهويات في المغرب الكبير.