✍️ بقلم: رشيد زلاغ
في هذا البلد، لم تعد المشاريع الكبرى تولد صدفة، ولا تُجلب بمنطق الادعاء الفردي كما يحاول البعض تسويقه.
بل هي نتاج رؤية ملكية واضحة، يقودها جلالة الملك محمد السادس، تقوم على بناء دولة حديثة قوامها التخطيط الاستراتيجي، والنجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا السياق، تُصاغ الاستراتيجيات الكبرى على مستوى الرؤية الملكية، بينما يُفترض أن يُعهد بتنزيلها على أرض الواقع، وفق مقاربة ترابية تراعي الحاجيات والأولويات اليومية للمواطنين، إلى الجماعات الترابية باعتبارها الفاعل التنفيذي الأقرب للمعيش اليومي.
وهنا تتحدد مسؤولية الحكامة المحلية: في جودة التدبير، ونجاعة التنفيذ، وربط القرار بالأثر. وهي الحلقة التي لا تزال تعاني من اختلالات واضحة، خاصة في مدينة مراكش.
ومع ذلك، لا يتردد البعض في تقديم نفسه كـ“صانع مشاريع”، وكأن دينامية دولة بكاملها يمكن اختزالها في علاقة أو خطاب أو ادعاء سياسي معزول.
مراكش ليست استثناءً.
فالمشاريع التي تعرفها، كما باقي الحواضر المغربية، تندرج ضمن حزمة المشاريع الوطنية ورؤية استراتيجية كبرى، تُترجم عبر مؤسسات الدولة وبرامج دقيقة، من بينها برامج عمل الجماعات الترابية الكبرى (2023–2028) بغلاف مالي يناهز 87.25 مليار درهم، ضمن استثمار وطني يصل إلى 210 مليارات درهم.
هذه ليست أرقاماً للاستهلاك، بل تعبير عن مشروع دولة متكامل تُدبره المؤسسات، لا الأفراد، وتُقاس نتائجه بالفعل لا بالخطاب.
لكن رغم ذلك، يستمر خطاب سياسي موازٍ في اختزال الدولة في أشخاص، والمشاريع في صور، والتنمية في خرجات إعلامية.
خطاب يقوم على منطق مكرر: “أنا جلبت… أنا أنجزت… أنا أقنعت”… في تجاهل تام لحقيقة أن الدولة تشتغل بمنطق مؤسساتي منظم، لا بمنطق فردي ظرفي.
والأخطر أن هذا الخطاب يجد من يروّجه، إما عن جهل بآليات اشتغال الدولة، أو عن وعي انتهازي يوظف تبسيط الواقع لإعادة تشكيله سياسياً، وتحويل النقاش العمومي من فضاء للمساءلة إلى ساحة للتسويق.
وفي مراكش تحديداً، لا تكمن الإشكالية في غياب المشاريع، بل في ضعف حكامة التنزيل على مستوى الجماعات الترابية:
تأخر في الإنجاز، ارتباك في التدبير، وغياب للانسجام بين حجم الطموح ونتائج الواقع.
وهنا تتضح المفارقة بوضوح:
الدولة تُنتج الرؤية وتضع الاستراتيجيات، بينما يُفترض أن تتكفل الجماعات الترابية بترجمتها إلى أثر ملموس على حياة المواطنين.
لكن حين يختل هذا المستوى التنفيذي، تتعثر النتائج مهما كانت قوة التصورات.
وعليه، لم يعد السؤال: من جلب المشروع؟
بل أصبح: من ينجح في تنزيله؟ من يحسن تدبيره؟ ومن يضمن أثره على أرض الواقع؟
لأن الرؤية الملكية ليست إعلان مشاريع، بل منظومة حكامة قائمة على النجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الخلاصة:
الرؤية الملكية تُنتج الاستراتيجيات… والجماعات الترابية مسؤولة عن جودة التنزيل.
والتنمية ليست خطاباً… بل حكامة ونتائج وأثر ملموس.
ومن لا يستوعب هذا التقسيم الدقيق للأدوار، سيظل خارج منطق الدولة الحديثة التي يسير فيها المغرب.