مأساة شاطو بني ملال: 17 يوم من الصمت انتهت بسقوط مدوي!

في حادث صادم ومؤلم تابع المغاربة، ليلة أمس الجمعة وخلال الساعات الأولى من يوم السبت 12 يوليوز، تفاصيل مشهد مأساوي ضواحي مدينة بني ملال، حيث صعد شاب إلى سطح خزان الماء المعروف بـ”شاطو” واعتكف هناك لأكثر من 15 يوما، معلقا بين الأرض والسماء، مطالبا بفتح تحقيق في وفاة والده، وباحثا عن إجابة ترفع عنه شعور الظلم والحگرة. طيلة هذه المدة، ظل معتصماً في عزلة تامة دون أي تفاعل جدي أو محاولة حقيقية للإنصات أو التفاوض، بينما استمر الصمت، وغاب الحضور الفعلي للمسؤولين وللمؤسسات التي كان من المفروض أن تتحرك منذ اليوم الأول.

ورغم أن حالته النفسية والإنسانية كانت تنذر بالخطر، لم تتحرك السلطات إلا بعد مرور أكثر من أسبوعين، دون أن تكون مستعدة بشكل احترافي أو إنساني للتعامل مع الوضع. التدخل الذي تم توثيقه بالصوت والصورة كشف عن ارتباك واضح وعشوائية في الأداء، حيث تم إرسال عنصر وحيد من الوقاية المدنية، دون حماية كافية، ودون خطة إنقاذ مدروسة، ليواجه المعتصم الذي كان في كامل وعيه ويعبّر بوضوح عن رفضه لصعود أي شخص نحوه. وأمام عدسات الكاميرا، تعرض عنصر الإنقاذ لإصابة بليغة، فيما سقط المعتصم محاولا الانتحار، معلقا بحبل في عنقه، بطريقة مأساوية نقل على إثرها في حالة حرجة إلى المستشفى، وسط ذهول الجميع.

المؤسف في هذه الواقعة ليس فقط النتيجة المأساوية، ولكن الطريقة التي تمت بها معالجة الوضع. كيف يعقل أن يبقى خزان ماء عمومي مفتوحاً ومتروكاً دون تأمين، لدرجة تسمح لأي كان بالصعود والاعتصام فوقه؟ وكيف يقضي شخص 17 يوماً معتصماً دون أن تبادر السلطات لمحاورته بشكل جاد؟ وكيف يمكن لبلد أن يقف عاجزاً عن احتواء حالة إنسانية بسيطة قبل أن تتحول إلى مأساة تهز الرأي العام؟ كل هذه الأسئلة تطرح بحدة اليوم، في ظل واقع اجتماعي متوتر وأزمات متراكمة لم تعد تنفع معها سياسة التجاهل أو الإنكار.

رغم محاولات التبرير التي جاءت بعد الحادث، فإن الفيديوهات المنتشرة أظهرت بوضوح أن المعتصم لم يكن فاقداً للوعي كما ادّعي، وأن التدخل تم في ظروف غير آمنة وبوسائل بدائية لا تليق بتدخل في مثل هذا المستوى من الخطورة. كما أن عنصر الوقاية المدنية الذي تم الدفع به إلى المواجهة، يحتاج إلى دعم نفسي عاجل، وليس فقط علاجات جسدية، لأنه عاش لحظة قاسية وصادمة لن ينساها بسهولة، وكان ضحية لقرارات فوقية لم تضع في الحسبان سلامته ولا كرامته.

المشهد برمته يكشف عن أزمة عميقة في طرق التعامل مع الأفراد الذين يصرخون من الهامش، ويبحثون عن أبسط حقوقهم بوسائل مؤلمة. والمؤسف أن هذه ليست المرة الأولى التي نشاهد فيها شخصاً يحاول لفت الانتباه عبر وسائل خطرة، لأن الأبواب التقليدية أُوصدت في وجهه. كان بالإمكان تفادي هذه الفضيحة منذ يومها الأول، فقط لو تحركت الجهات المعنية بمسؤولية ووعي، ولو تم الاستماع إلى هذا المواطن باحترام وإنصات، ولو تم استحضار البعد الإنساني قبل التقني، والبعد الوقائي قبل التدخلي.

إن مأساة شاطو بني ملال لم تكن مجرد واقعة محلية، بل كانت صرخة مدوية في وجه مؤسسة كاملة لم تنجح في احتواء الغضب، ولم تفلح في حماية أرواح مواطنيها. ولعل الدرس الأقسى اليوم هو أن الإنصات كان كفيلا بإنقاذ حياة، وتفادي كارثة، وتجنب فضيحة تجاوزت حدود الوطن.

Comments (0)
Add Comment