كلام الطريق: حين يتحوّل المسار إلى شهادة غضب قراءة نقدية في قصيدة أبوالغضب (نصرالدين خيامي بلمهدي).

متابعة :حامد الزيدوحي بيان مراكش Bayanemarrakech

 

 

بقلم / خالد شريف *

في قصيدته «كلام الطريق» لا يكتب الشاعر أبوالغضب عن طريقٍ إسفلتيّ أو مدوّنة سير بالمعنى الحرفي، بل يفتح نصّه على معنى أوسع: الطريق بوصفه مسارًا اجتماعيًا وسياسيًا وإنسانيًا. هنا يصبح الطريق كائنًا حيًّا، ذاكرةً، وشاهدًا على اختلال الاتجاه، وعلى خراب يتراكم بصمت.
منذ الأسطر الأولى، يضع الشاعر القارئ داخل أفق حكائي احتجاجي:
قرب وسمع يا رفيق
حجايتنا ف هاذ طريق
حجاية من صندوق عتيق
النداء «يا رفيق» يمنح النص بُعدًا جماعيًا، فلا يبدو الصوت فرديًا منعزلًا، بل صوت شاهد يتكلم باسم جماعة. أما «الصندوق العتيق» فيحيل على ذاكرة مثقلة بالأخطاء، وكأن الطريق يحمل في جوفه تاريخًا من القرارات الفاشلة والتجارب المكسورة.
ويُصرّح الشاعر لاحقًا بجذر الأزمة:
من قرارات سياسية فاشلة غريق
هنا تتحوّل السياسة إلى فعل غرق، لا إلى فعل قيادة. فبدل أن تكون القرار بوصلة، تصبح عبئًا يزيد التيه عمقًا. ومن هذا المعنى تتفرّع بقية الصور التي تنتقد مظاهر الواقع: الإعلام، الفرجة، الإشهار، والمشاريع الوهمية.
يقول:
مدوانات
مهرجانات
مسلسلات
وسهرات
وشي ما هو يليق
التعداد المتسلسل لا يخدم الوصف فقط، بل يخلق إيقاعًا ساخرًا، يُشبه طابورًا من الصور الفارغة التي تمرّ أمام القارئ بلا روح. إن الشاعر هنا لا يهاجم الفن في ذاته، بل يهاجم تحوّله إلى أداة تغطية على الخلل بدل كشفه.
ويبلغ النقد ذروته حين يربط الخطاب الثقافي بالوعي الزائف:
من إشهارات هبال وتخربيق
فالإشهار لا يُقدَّم كوسيلة تواصل، بل كأداة تضليل، تُعيد تشكيل رغبات الإنسان على حساب وعيه، فيتحوّل المواطن إلى مستهلك، والطريق إلى سوق.
أما على مستوى الرمز المركزي، فإن الطريق في القصيدة ليس مسطحًا، بل كائن يبتلع:
على طريقنا
تسرط وما تسيق
الطريق يأكل ولا يهضم، وهي صورة بلاغية عميقة الدلالة، تحيل على منظومة تستهلك الإنسان والمشاريع والخطاب دون أن تنتج معنى أو عدالة. ثم تتكثف الصورة أكثر:
جوفك شحال صار عميق
العمق هنا ليس جماليًا، بل مأساوي. إنه عمق الهوة بين الشعار والواقع، بين القول والفعل، بين المسار المعلن والمسار الحقيقي.
ومن أجمل مستويات النص، اشتغاله على أزمة الهوية:
هوية اللوالب
وقوالب
وتزنديق
الهوية ليست مستقرة، بل لولبية، ملتوية، محاصَرة بقوالب جاهزة، ومُتَّهمة في وجودها نفسه. وكأن الإنسان في هذا الطريق لم يعد يعرف مَن يكون، ولا إلى أين يسير.
أسلوبيًا، تعتمد القصيدة على الدارجة المغربية بوصفها اختيارًا جماليًا واعيًا لا عفويًا. فالدارجة هنا تمنح النص:
قربًا من المتلقي،
صدقًا تعبيريًا،
وقوة احتجاجية لا توفّرها اللغة المصفّاة.
كما يعتمد الشاعر على الأسطر القصيرة، والتكرار، والتقطيع الإيقاعي، ليجعل النص أقرب إلى بيان شعري أو صرخة جماعية، لا إلى قصيدة تزيينية.
ويُختَم النص بصورة صوتية لافتة:
غوت
وكلام
ونعيق
الخاتمة تختصر المشهد: ضجيج بلا معنى، خطاب بلا روح، وأصوات تشبه نعيق الغربان، في إيحاء بموت الخطاب الصادق داخل زحمة الكلام.
في المحصلة، تمثّل قصيدة «كلام الطريق» نموذجًا لشعر الاحتجاج الواعي، الذي لا يراهن على الزخرف البلاغي بقدر ما يراهن على القيمة الأخلاقية للنص. إنها قصيدة تشهد على المسار أكثر مما تصفه، وتفضح الاتجاه بدل أن تزيّنه، وتجعل من الطريق مرآةً لأسئلة المجتمع والإنسان والهوية.
هي قصيدة لا تقول إن الطريق مكسور فقط، بل تقول إننا نسير فيه دون أن نسأل: إلى أين؟

*كاتب ومسرحي

Comments (0)
Add Comment