قراءة نقدية لمؤلَّف حامد الزيدوحي (حياتي في المرآة).  من منظور “الميثاق السيرذاتي” لـ Philippe Lejeune.

 

تحتل السيرة الذاتية موقعاً إشكالياً عند تقاطع الأدب والتاريخ؛ فهي في الآن نفسه كتابة للذات وبناء سردي لها، تجمع بين الاعتراف والتخييل. ومن هذا المنطلق سعى الناقد الفرنسي فيليب لوجون إلى تأطير هذا الجنس الأدبي نظرياً من خلال مفهوم “الميثاق السيرذاتي le pacte autobiographique” الذي يقوم أساساً على تطابق اسم المؤلف والسارد والشخصية، وعلى تعهد ضمني – وأحياناً صريح – يقدمه المؤلف للقارئ بالصدق والصراحة في رواية تجربته.

وانطلاقاً من هذا التصور النظري، تسعى هذه القراءة إلى مساءلة السيرة موضوع الدراسة: إلى أي حد تحترم شروط الميثاق السيرذاتي؟ وهل يظل الصدق فيها مرجعياً يحيل إلى الوقائع المعيشة حقا، أم يتحول إلى بناء سردي يعيد تشكيل الماضي؟ وهل يمكن القول إن النص يحقق في مجمله شروط الميثاق كما صاغها لوجون، ولا سيما من حيث التطابق الهوياتي والتصريح بالكتابة عن الذات؟ أم أن حضور بعض الملامح التخييليّة يؤكد أن السيرة الذاتية ليست مجرد نقل محايد للوقائع، بل إعادة بنائها سردياً وفق منظور لاحق؟ وبذلك تظل نظرية لوجون أداة إجرائية فعالة لتحليل هذا الجنس الأدبي، دون أن تستنفد جميع تعقيدات كتابة الذات.

يقدّم الكاتب لسيرته ضمن سياقين متداخلين: سياق عام وطني، وآخر خاص يتعلق بظروف العائلة وانتقالها إلى مراكش. وينطلق في ذلك من التذكير باستقلال المغرب عن الحماية الفرنسية والإسبانية، قبل أن يشير إلى الأصل الجغرافي للعائلة (سكورة بنواحي ورزازات) وهجرتها إلى مراكش، مسقط رأسه. ثم يتوقف مطولاً عند البنية الديموغرافية والاجتماعية للمنطقة، مركزاً على حضور اليهود بها، ومبرزاً خصوصياتهم في المأكل والمسكن والعادات. بعد ذلك يعرج على مرحلة التكوين بمراكش، غير أن الحنين إلى سكورة يظل حاضراً في السرد، حيث يستوقف القارئ مطولاً عند خصائص هذه المنطقة من حيث العادات والتقاليد، كالأعراس وزيارة الأضرحة، واصفاً أهم معالمها العمرانية (القصبة أو تيغرمت)، متأسفا في الآن نفسه على ما عانته المنطقة من تهميش رغم ما تزخر به من أنظمة تقليدية لتدبير الموارد المائية، وعلى رأسها نظام الخطارات.

كما يقف عند بعض طقوس اليهود المرتبطة بالماء والسحر وغيرها من الأعراف، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن نجاحه الدراسي ودور جدته في تنشئته وتربيته. ثم يتوقف عند مرحلة تشكل وعيه النقابي والاجتماعي والسياسي، حيث يسرد أسماء شخصيات وازنة محلياً وجهوياً، مبرزاً علاقته بها وتأثره الفكري والفني ببعضها، في سياق لا يخلو من الإشارة إلى ما رافق مساره المهني والنقابي من معاناة وقسوة في العيش، امتدت آثارها إلى مرحلة التقاعد.

ولعله من المفيد، في سبيل تأسيس فرضية القراءة، الانطلاق من عتبات النص، وفي مقدمتها العنوان (حياتي في المرآة). فهذا العنوان يتشكل تركيبياً من جملة اسمية (مبتدأ وخبر). أما المبتدأ فهو بدوره تركيب إضافي من “حياة” باعتبارها مضافاً يحيل في السياق إلى معنى السيرة، و”ياء المتكلم” باعتبارها مضافاً إليه يحيل إلى الذات؛ وبذلك يكتسب التركيب دلالة مركبة يمكن ردها إلى معنى “السيرة الذاتية”. أما شبه الجملة (في المرآة) الذي يؤدي ظاهرياً وظيفة الإخبار، فإنه يحمل في العمق بعداً كنائياً، إذ تحيل المرآة إلى فكرة الانعكاس الصادق للحقيقة، كما تعكس المرآة الشيء الماثل أمامها. ومن ثم يبدو العنوان وكأنه يتضمن تعهداً ضمنياً من الكاتب موجهاً إلى القارئ بالصدق في عرض سيرته وكشف تفاصيلها.

وباعتبار السيرة نصاً سردياً، فإنها تستوعب معظم مقومات الخطاب القصصي من شخصيات وأحداث وزمان ومكان، كما يتشكل خطابها من تداخل أنماط تعبيرية متعددة مثل الحكي والسرد والوصف والحوار.

وانسجاماً مع طبيعة النص بوصفه سيرة ذاتية، تحضر الشخصية المحورية فيه غالباً من خلال ذكر الاسم “حامد”، وهو اسم المؤلف نفسه كما يظهر على غلاف الكتاب، وليس اسماً مستعاراً، وينوب عنه أحياناً ضمير المتكلم الذي يمثل الشخصية التي تروي الأحداث باعتبارها شخصية مشاركة فيها.

وعليه، فإن الشخصية الأكثر حضوراً في مؤلف الأستاذ الزيدوحي (حياتي في المرآة) هي شخصية حامد، التي يرد ذكرها بالاسم في مواضع متعددة، من قبيل: (أتى ساعي البريد منادياً: حامد؛ فأجبته بنعم)، و(فعلّق علي قائلاً: أنت يا حامد عصامي ومتميز). غير أن ضمير المتكلم، الظاهر أو المستتر، باعتباره لسان شخصية السارد يظل الأداة السردية الأكثر هيمنة في المتن، إذ يكاد يطغى على معظم المقاطع والفقرات، باستثناء بعض المقاطع الحوارية المحدودة التي يرد فيها الخطاب موجهاً إليه باسمه أو بلقبه، مثل: (يا حامد)، أو (ماذا تريد يا ابن علي؟ لأن جدي اسمه علي). ومع ذلك تظل الغلبة في السرد لصيغة المتكلم: (انفلت والدي/ حسب ما روى لي/ عندما بلغت العاشرة من عمري/ أصلي من الجنوب الشرقي… جدي/ جدتي/ عماتي… إلخ).

وقد حرص المؤلف على رسم الملامح السلوكية والخُلقية (وليس الخِلقية) لشخصية حامد، مبرزاً صفات من قبيل العصامية والصدق والصبر والجلد في مواجهة قسوة المعاناة، فضلاً عما تعرض له من كيد بعض المسؤولين بسبب تشبثه بمواقفه النقابية والحزبية.

أما الشخصيات الأخرى فقد أفرد لها حيزاً مهماً من السيرة، وتشمل أساساً أفراد العائلة (الوالد/ الوالدة/ الجد/ الجدة) إلى جانب الزملاء والأصدقاء ورفاق النضال في النقابة أو الحزب. ومن بين هؤلاء شخصيات ذات حضور جهوي أو وطني في المجال السياسي، مثل السياسي المرحوم علي يعته، فضلاً عن بعض الأدباء والفنانين الذين أبرز المؤلف مدى تأثره بهم وإعجابه بتجاربهم.

أما باقي الشخصيات فأغلبها ثانوية، وبعضها يرد في سياق عابر، ويحيل على أشخاص صادفهم الكاتب أو تعامل معهم في سكورة أو مراكش أو غيرهما من المناطق التي تنقل بينها.

وعلى مستوى البناء الزمني، يحرص المؤلف على توثيق الأحداث ضمن إطار تاريخي واضح، مستحضراً محطات زمنية مفصلية مثل مرحلة الحماية والاستقلال والميلاد والدراسة والتوظيف والنشاط النقابي والسياسي ثم التقاعد. ويعتمد في الغالب زمناً قصصياً قائماً على الترتيب الخطي linéaire للأحداث (في سنة 1956 استقل المغرب/ في الثامن عشر من نونبر/ عندما بلغت العاشرة من عمري… إلخ)، مع توظيف محدود لتقنية الاسترجاع حين يعود إلى أحداث سابقة في حياة والده أو في مسار العائلة.

أما من حيث الفضاء المكاني، فقد ارتبطت أغلب أحداث السيرة بمكانين رئيسين هما سكورة بنواحي ورزازات ومراكش. ومع ذلك يرد ذكر عدد من الأمكنة الأخرى، بعضها يشكل معالم تاريخية أو جغرافية، وبعضها فضاءات ثانوية مجاورة، يتم التعريف بها إما من خلال وصفها العمراني أو الجغرافي، أو بالإشارة إلى القبائل أو الفئات الاجتماعية التي تقطنها (آيت علا/ واد الحجاج/ جبل صاغرو/ الملاح… إلخ).

وعلى مستوى اللغة، حرص المؤلف أثناء سرده لأطوار حياته على اعتماد لغة واضحة قريبة في مجملها من خطاب التداول اليومي، وهو ما أفضى أحياناً إلى سطحية بعض التراكيب الفصيحة. ومع ذلك يولي عناية خاصة للوصف الدقيق للأمكنة والفضاءات والعادات والتقاليد. ومن ذلك قوله في وصف سكورة: (ولن أنسى الخطارات التي تجلب مياه العيون والأنهار المنحدرة من المرتفعات…). كما يصف حي الملاح قائلاً: (هذا الحي كان أحد الشواهد الحية على فترة تلاحم وتعايش بين المسلمين واليهود في المغرب، فبين دروبه وأزقته وأحيائه…).

غير أن لغة الوصف، مثلها مثل لغة السرد، يغلب عليها الطابع التقريري الذي يفتقر في الغالب إلى التصوير البياني، وهو ما يحد من التقاطع الممكن بين الخطاب السيرذاتي والخطاب الروائي، حتى في المقاطع الأقرب إلى خطاب الاعتراف (confession) مثل تلك التي يتحدث فيها عن قصة حبه لأستاذة كان ينوي الزواج بها، غير أن شروطها وانتقاله حالا دون تحقيق ذلك.

وإذا كان الشق المتعلق بالذات وعلاقاتها الاجتماعية حافلاً بالمعجم النفسي والاجتماعي والعاطفي، فإن الشق المرتبط بالنشاط النقابي والسياسي يزخر بدوره بمعجم خاص بهذا المجال (نضال/ انتخاب/ انخراط/ لجن/ حزب/ مسؤول… إلخ). غير أن هيمنة الأسلوب التقريري، الذي قلما يستثمر إمكانات البلاغة والتصوير، تظل سمة مهيمنة في هذا القسم؛ وإن تخللته أحياناً عبارات ذات نبرة فخر واضحة، يوحي ظاهر بعضها بشيء من المبالغة، كما في قوله: (…لم يثبت عليَّ استغلال وضعي النضالي من أجل النصب والاحتيال، فكنت محبوب الجماهير…).

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن مؤلَّف حياتي في المرآة يحقق في مجمله أهم مرتكزات الميثاق السيرذاتي كما صاغه فيليب لوجون، خاصة من حيث تطابق اسم المؤلف والسارد والشخصية، وإعلان الكتابة عن الذات بوصفها شهادة تؤرخ لتجربة معيشة فعلا. غير أن هيمنة الأسلوب التقريري وقلة الاشتغال على التخييل السردي يجعلان النص أقرب إلى التوثيق السيري منه إلى البناء الأدبي المتخيَّل. ومع ذلك تظل السيرة، بما تقدمه من استرجاع للذاكرة الفردية في تفاعلها مع السياق الاجتماعي والسياسي، محاولةً لكتابة الذات وهي تعيد ترتيب ماضيها وتمنحه معنى داخل الحاضر، وهو ما يؤكد أن الصدق في السيرة ليس مجرد نقلٍ للوقائع، بل هو أيضاً بناء سرديٌّ للذاكرة.

والله ولي التوفيق.

علي درويش

أديب وناقد مغربي.

Comments (0)
Add Comment