قراءة نقدية في قصيدة «سوق لفهامة» للشاعر الزجال: نصرالدين خيامي بلمهدي مراكش – 2007.

متابعة: الأديب والشاعر حامد الزيدوحي .

 

بقلم خالد شريف

 

تقوم قصيدة «سوق لفهامة» على بناء رمزي محكم، يتأسس على ثنائية واضحة بين النحلة والذبابة، بوصفهما صورتين متقابلتين لقيمتين متضادتين: قيمة العمل الصامت المنتج، وقيمة الضجيج الفارغ العابر. ومن خلال هذا التقابل، يشيّد الشاعر نصًا زجليًا ذي بعد أخلاقي واجتماعي، يتجاوز الوصف الطبيعي إلى تمثيل نماذج بشرية وسلوكية داخل “سوق” رمزي تتصارع فيه القيم.

 

أولًا: الرمز وبنية التقابل

 

يستثمر الشاعر صورة النحلة بوصفها كائنًا منتجًا، منظمًا، صبورًا، يشتغل في صمت ويحوّل رحيق الزهر إلى عسل. غير أن النحلة في القصيدة ليست مجرد عنصر طبيعي؛ بل تتحول إلى نموذج حضاري:

 

“تبني خلية بفكر، ميزانها محكم”

“كل سدّة فيها سرّ، وكل ركن فيها قيم”

 

الخلية هنا ليست مأوىً بيولوجيًا، بل نظامًا متكاملًا قائمًا على التوازن والمعنى. إنها صورة مصغرة لمجتمع منضبط، تحكمه القيم والعمل الجماعي.

في المقابل، تأتي الذبابة رمزًا للفوضى والادعاء والانتقال بلا جذور. حضورها قائم على الضجيج لا على الإنتاج، وعلى الادعاء لا على القيمة. فهي “تغوت فالسوق”، وتعلن نفسها أصلًا وجمالًا، بينما حقيقتها عابرة وهشة. هذا التقابل يمنح القصيدة بنيتها الجدلية، ويُحدث توترًا دلاليًا يتصاعد حتى الخاتمة.

 

ثانيًا: البنية الإيقاعية والانسجام الصوتي

 

القصيدة لا تلتزم بوزن خليلي صارم، لكنها تعتمد على توازن نغمي داخلي واضح، يتجلى في تقارب القوافي وتكرار النهايات الصوتية (طم / نغم / زحم / علم / محكم / قيم / حزم / الوهم / نسَم / يفهم / يندم / علم). هذا التوازي الصوتي يمنح النص انسجامًا إيقاعيًا ينسجم مع طبيعة الزجل، دون أن يسقط في التكلف.

غير أن بعض المفردات تبدو مسخّرة لخدمة القافية أكثر من الضرورة الدلالية، وهو أمر لا يخلّ بالبناء العام، لكنه يشي أحيانًا بأولوية الإيقاع على الصورة.

 

ثالثًا: الصورة الشعرية

 

تتميّز القصيدة بصور مباشرة لكنها موفّقة في أغلبها، من قبيل:

 

“عرقها كيقطر ذهب، والصبر عندها علم”

 

تتحول هنا مادّة العرق إلى ذهب، في استعارة تحوّل الجهد إلى قيمة سامية، بينما يصبح الصبر راية معرفية. إنها صورة تجمع بين البعد المادي والأخلاقي في آن واحد.

أما الذبابة، فتُصوَّر من خلال حركتها وضجيجها لا من خلال عمق رمزي موازٍ للنحلة. وهذا التفاوت مقصود دلاليًا، لكنه يجعل صورة الذبابة أقل تركيبًا من صورة النحلة، وأكثر اقترابًا من السخرية المباشرة.

 

رابعًا: البعد الأخلاقي

 

تحمل القصيدة بُعدًا أخلاقيًا واضحًا، غير أنها تتجنب الوعظ المباشر في معظم مقاطعها، وتترك الرمز يؤدي وظيفته. غير أن الخاتمة تتجه نحو التصريح بالحكمة:

 

“اللي عاش فالعسل يعلى، واللي عشق الوسخ يندم”

 

هنا ينتقل النص من الإيحاء إلى التقرير، ومن الصورة إلى الحكم. هذه الصيغة تمنح القصيدة وضوحًا، لكنها تقلل من مساحة التأويل. ولو تُركت النهاية أكثر انفتاحًا، لازداد النص عمقًا واحتمالًا دلاليًا.

 

خامسًا: البناء الدرامي

 

يتصاعد النص تدريجيًا:

 

تقديم نموذج النحلة.

 

إدخال الذبابة كعنصر مضاد.

 

إبراز المفاضلة بين النموذجين.

 

حسم المعنى بحكمة ختامية.

 

هذا البناء البسيط يمنح القصيدة وضوحًا وقوة في الرسالة، ويجعلها قابلة للتلقي الواسع، دون أن تفقد تماسكها الفني.

خاتمة

«سوق لفهامة» قصيدة رمزية أخلاقية، متماسكة البناء، واضحة الرؤية، تنتمي إلى زجل يحمل وعيًا اجتماعيًا، ويؤسس موقفًا من ظاهرة الادعاء والضجيج في مقابل قيمة العمل الصامت.

 

ليست القصيدة تجريبية أو غامضة، لكنها واثقة من خطابها، مستقرة في رمزها، ومتماسكة في نسيجها الصوتي. وهي تمثل مرحلة ناضجة في تجربة الشاعر، حيث تتقاطع الحكمة الشعبية مع الحس الرمزي، ويتحول الكائن الطبيعي إلى مرآة للإنسان وسلوكه.

 

النص، في مجمله، ينجح في تحويل سوق القيم إلى مشهد شعري، يجعل القارئ يختار موقعه بين النحلة والذبابة… دون حاجة إلى إعلان صريح.

 

 

* كاتب ومسرحي مغربي

 

لقراءة القصيدة 👇👇

 

سوق لفهامة

 

قال لك نحلة خدامة فالعسل وضاربة طم

كتجمع من زهر البرّ وتغزل شهدو بنَغَم

ساكتة فخدمتها، لا ضوّ لا زحَم

عرقها كيقطر ذهب، والصبر عندها عَلم

 

تبني خلية بفكر، ميزانها محكم

كل سدّة فيها سرّ، وكل ركن فيها قِيم

 

نهارها مربوط بخيط، وليلتها حَزم

تحرس شهدها بعين، ما تبيعوش للوهم

 

ودبانة كتدور فوسخ ودايرة حالة

طنّها عالي فالهوا، والريح بيها شالة

تغوت فالسوق: أنا الأصل وأنا الجمالة

وهي غير صدى عابر، عايشة فبرد الظلام

 

تبدّل بلايصها غير باش تبقى قدّام

لا جذر يشدّ الأرض، لا ظلّ يبقى عام

 

النحل تصبر وتبني، ويطلع منها نَغَم

والدبانة غير نفخة، كتضيع مع أول نسَم

 

فالسرابة كلشي يبان، واللي واعي يفهم

اللي عاش فالعسل يعلى، واللي عشق الوسخ يندم

واللي اختار يكون نحلة يبقى اسمو عَلم

 

شاعر زجال / نصرالدين خيامي بلمهدي

مراكش 2007

Comments (0)
Add Comment