قبل الكأس… أي نصر نريد؟…..

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

أُسدل الستار يوم أمس على كأس إفريقيا، فٱنتهت المنافسة كما تنتهي الحكايات الكبرى دائما (بفرحة ناقصة، وبطعم مزدوج لا هو مرارة خالصة ولا نشوة كاملة).

فرحة لأن لحظات المتعة والإندماج الجماعي عادت لتوحد القلوب، ولأن المغاربة على ٱختلاف مشاربهم، عاشوا أياما من الحلم المشترك، وٱرتفعت الأعلام، وتعانقت الأصوات في المقاهي والشوارع والمنازل… لكنها فرحة لم تكتمل، لأن الكأس غابت، ولأن الحلم ٱنكسر عند عتبة الواقع.

غير أن ما يستحق التوقف عنده حقا، ليس خسارة مباراة ولا ضياع لقب، بل تلك الفئة القليلة عددا، الكبيرة معنى، التي لم تستطع أن تنخرط كليا في هذا الفرح العابر.

فئة تحمل هم الواقع المعاش، واقع المغربي البسيط الذي يستيقظ كل صباح على معركة النقل، ويصطدم كل يوم بأعطاب الصحة، ويكابد في سبيل تمدرس أبنائه، ويبحث عن العيش الكريم كما يبحث عن الماء في زمن الجفاف!

هنا تتكشف المفارقة المؤلمة: (نحتفل بكأسٍ تحسم في تسعين دقيقة، بينما نخسر كل يوم كؤوسا أكبر وأعمق، تهزم فيها كرامة المواطن، وتستنزف فيها طاقته، وتراكم فيها الأسئلة بلا أجوبة).

فقبل كأس إفريقيا، وقبل كأس العالم، بل قبل كل كؤوس الكرة المستديرة كلها، هناك كأس أخرى أولى وأجدر بالنصر «كأس العدالة الإجتماعية، كأس الصحة اللائقة، كأس المدرسة العمومية، كأس النقل الكريم، وكأس الحياة التي تليق بإنسان هذا الوطن».

 

لقد سلبت الكرة المستديرة أو ما يمكن تسميته مجازا (بكأس الشيطانة المستديرة) العقول والقلوب، لا لأنها لعبة سيئة في ذاتها، بل لأنها تحولت عند البعض إلى ملاذٍ نفسي من واقع قاسٍ، وإلى تعويض مؤقت عن خيبات يومية متراكمة.

كرة القدم، في جوهرها، لعبة للتسلية والترفيه، مساحة للفرح العابر، لا مشروع خلاص، ولا معنى نهائي للحياة، لكنها حين تحمل أكثر مما تحتمل، تتحول إلى سراب يطارد، وينسينا ما هو أعمق وأخطر.

لسنا ضد الفرح، ولا ضد الكرة، ولا ضد الحلم الرياضي… على العكس، نحن في أمس الحاجة إلى لحظات الفرح الجماعي التي تخفف عن الناس ثقل الأيام، لكن الخطورة كل الخطورة، أن يصبح هذا الفرح بديلا عن الوعي، وأن يتحول الهتاف إلى غطاء للصمت، وأن تستعمل الهزيمة أو الإنتصار الرياضي لصرف النظر عن الأسئلة الحقيقية المؤجلة. فالأوطان لا تبنى بالأهداف وحدها، ولا تدار بالحماس العاطفي، بل تشيد بالإختيارات العادلة، وبالسياسات التي تضع الإنسان في قلب الإهتمام.

 

في النهاية، لا تقاس الأوطان بعدد الكؤوس التي تعرض في المتاحف، بل بعدد الإبتسامات التي تصمد في وجوه مواطنيها رغم قسوة العيش.

قد نخسر مباراة وننهض بعدها، لكن الخسارة الحقيقية أن نعتاد الهزيمة في تفاصيل حياتنا اليومية ونصفق لها بٱسم النسيان.

بعد كأس إفريقيا، يبقى الإمتحان الأكبر معلقا:

– هل نملك الشجاعة لنحول الفرح العابر إلى وعي دائم، والهتاف المؤقت إلى مطالب واضحة، والحلم الرياضي إلى إرادة جماعية تنتصر للإنسان قبل الكرة؟

حينها فقط، سنرفع الكأس التي تستحق الإحتفال… كأس الوطن العادل، لا وطن النتائج العابرة.

Comments (0)
Add Comment