بقلم: ” أبو أمين”
استوقفتني، السنة الماضية ، أو بالأحرى استوقفني في عيد أضحى السنة المنصرمة، مشاهد مقززة يندى لها الجبين، تناقلتها وسائل التواصل الإجتماعي!!
شباب يسرقون وينهبون أضاحي العيد جهارا عيانا، في مشهد يحيلنا على سيبة الزمن الغابر غير ذي صلة بمغرب القرن الواحد والعشرين. وقعت المصيبة المهزلة بأحد أسواق الدار البيضاء بالحي الحسني بالتحديد.
لن نبرر هذه الأفعال بضغط كورونا ولا بضغط الحاجة والفقر ،ولا بمبرر غلاء الأضحية ،كلها تبريرات واهية ومبتذلة لأفعال إجرامية يمجها الذوق والقانون والشريعة.وقديما قيل “تموت الحرة ولا ترضع من ثدييها” و “شرُّ الفقر الخضوع، وخير الغنى القناعة” (العقد الفريد؛ لابن عبد ربه).
في السنة الماضية كان بالإمكان بسبب ظروف الجائحة وكما فعلت الدولة في كثير من الإجراءات الإحترازية إلغاء عيد الأضحى الذي يعتبر سنة مؤكدة وليس فرضا، وتجنب كثير من المصائب الصحية والإجتماعية ومن بينها
ارتفاع عدد المصابين بفيروس كورنا.
للأسف الشديد الطمع وانعدام الأخلاق والإبتعاد عن الأهداف المقاصدية للدين حجبت عن الأعياد معانيها الروحية والإجتماعية كفعل الخير والتآزر بين الغني والفقير والإجتماع على المحبة والرحمة والتزاور وصلة الرحم وتعويض ما اقترف طيلة العام من إساءات وذنوب وآثام بالخير والإحسان وثواب هذا اليوم.
قال الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 133، 134].
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ابغُوني في الضعفاء، ابغُوني في الضعفاء؛ فإنما تُنصَرون وتُرزَقون بضُعفائكم”.
العيد مظهر من مظاهر الوعي الجمعي الذي يعتبر إدراكا جماعيا لحقيقة الأشياء ، وتجسيد شعائره ينبئ على تخلف أمة أو تقدمها.
يمر العيد بدون وقفة ولا تأمل ولا استخلاص لكنهه ولا لفلسفته الحياتية والوجدانية ، يمر بحس بليد وشعور بارد وكأن العيد موسم من مواسم الإزدراد وملإ البطن باللحوم والشواء وبولفاف.
العيد أصبح مظهرا من مظاهر الإسراف في الأكل والتفاخر والاستعراض
على العكس من ذلك ،العيد درس تطبيقي لما جاء في الديانات السماوية من مبادئ سمحة في التضحية، والإيثار، و المحبة والتسامح وصلة الرحم، والحضارةوالرقي بالذوق في اللباس و رونق الأكل إضافة إلى البذل والعطاء والكرم.
عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “ما من شيءٍ أثقلَ في ميزانِ المُؤمن يوم القيامة من خُلُقٍ حسنٍ، وإن الله يُبغِضُ الفاحِشَ البَذِيءَ”.
في العيد تسود البهجة والسرور و تنسى الناس همومها تعاستها وأقراحها ، في العيد تتبخر الأحقاد والضغائن وتغمر النفوس الطاقات الإيجابية المشجعة على فعل الخير وخلق السعادة في نفوس الغير.
ألا أُخبِركم بأهل الجنة؟! رجلٌ رحيمٌ بذوي القُربى والمساكين، وفقيرٌ ذو عيالٍ مُتعفِّف، ورجلٌ مخمومُ القلب -أي: لا غلَّ فيه ولا حسد-“.
عيد الأضحى أن تصل من قطع رحمك ،أن تبحث عن أرملة معوزة أو يتيم لم يستطع الفرح كباقي أقرانه بالعيد ولم يستطع أن يرى أباه أو أمه ينحر أضحية العيد ،
والعيد ليس هو اليوم نفسه بالمفهوم الزمني الذي يبتدئ من طلوع الشمس إلى غروبها بل في المعنى الذي تتركه الأعمال الخيرة على النفوس من سمو ورقي وجمال منقطع النظير.
في العيد يفرح الأطفال وتفيض عليهم البهجة والسرور بالهدايا وبعض الدريهمات من الأقارب والأحباب .
لا أدري لماذا لا ينبري المثقفون و علماء الدين لبذل الجهود الكافية لتوعية الناس بمقاصد العيد الحقيقية لتجنب المزالق والإنحرافات الموروثة التي تسيء لحضارتنا وأمتنا ومبادئ ديننا ،والحث على الرفع من مستوى سلوكيات مجتمعنا، لجعل هذه المناسبة الدينية مناسبة للتحضر والرقي بالذوق العام للمجتمع، والنأي به عن الإعتقادات الكهنوتية والبدعية وعن “الجهل المقدس” المحرك الرئيسي للتطرف والتزمت وتفريخ الإرهاب.