* *وفرة المعطيات* 2/4
بقلم: الدكتور *محمد محاسن*
*تلخيصا*
في امتدادٍ لتحليل وهم البصيرة السياسية، أتناول في هذا المقال أحد أبرز الانزلاقات التي تصيب الحكم الاستراتيجي: أثر النفق. لا يتعلق الأمر هنا بنقص في المعلومات، بل بطريقةٍ في إدراكها تُفضي إلى تضييق الأفق بدل توسيعه. إذ تميل بعض القراءات إلى التمركز حول تفسير واحد يزداد حضورًا مع الوقت، يؤدي إلى تراجع ما سواه دون أن يُستبعد صراحة. وبهذا، يتشكل وضوحٌ ظاهري يخفي في عمقه انغلاقًا إدراكيًا. بالارتباط مع مفهوم الكايـروس، يبيّن المقال أن الخلل في تقدير اللحظة الحاسمة لا يعود دائمًا إلى الزمن، بل إلى صورة الواقع التي يُبنى عليها هذا التقدير.
الكلمات المفاتيح
أثر النفق؛ الإدراك؛ التحيزات المعرفية؛ القيادة السياسية؛ الحكم الاستراتيجي؛ الكايـروس.
*ملاحظة تأطيرية*
يشكّل هذا المقال الحلقة الثانية من سلسلة تبحث في القيادة السياسية في سياق التحيزات المعرفية، ويركّز على آليات انكماش الإدراك رغم وفرة المعطيات.
1 *. من وهم البصيرة إلى انكماش* *الرؤية*
كشفت في المقال السابق أن الخلل في الحكم السياسي لا يرتبط دائمًا بنقص المعرفة، بل بطريقة تشكّلها في الذهن. ويأتي أثر النفق ليكشف مستوى أدق من هذا الخلل؛ يتعلق الأمر بانكماش زاوية النظر دون وعيٍ به.
في هذه الحالة فإن المعطيات تبقى محفوظة لا يعتريها أي نقص، بيد ان القدرة على توزيع الانتباه بينها والإحاطة بمختلف جوانبها هي التي تتراجع. ومع مرور الوقت، تستقر قراءة معينة بوصفها الأكثر تفسيرًا، ليُعاد، تبعا لذلك، ترتيب العناصر وفقها، فيتضاءل حضور ما لا ينسجم معها.
وهكذا، يتشكل الفهم داخل إطار يبدو متماسكًا، بينما هو في الواقع يضيق تدريجيًا.
2. *وضوحٌ يتعزّز على حساب البدائل*
يميل الحكم، في بعض السياقات، إلى التمركز حول تفسير يكتسب حضورًا متزايدًا كلما تكرّر. ومع هذا التكرار، يترسخ الإحساس بأن الصورة باتت واضحة، وأن عناصرها قد استقرت. غير أن هذا الوضوح لا يعكس دائمًا اكتمال الفهم، بل قد يكون نتيجة تراجع البدائل وافتقادها. فكلما خفت حضور القراءات الأخرى، بدا التفسير القائم أكثر إقناعًا، لا لأنه أدق، بل لأنه أصبح الوحيد المتاح داخل النسق. ومن هنا، يتولد وضوحٌ لا يقوم على اتساع الرؤية، بل على تضييقها.
3. *مركزية الظاهر وتراجع المؤثر الخفي*
في البيئات السياسية المعقدة، تميل بعض المؤشرات إلى فرض حضورها: أرقام، تحركات ميدانية، خطابات رسمية، أو ضغوط إعلامية. ومع تكرارها، تتحول في نهاية المطاف إلى محور التحليل.
غير أن هذا التركيز قد يحجب عناصر أقل ظهورًا وأكثر تأثيرًا من تحولات بطيئة وتراكمات صامتة وتفاعلات غير مباشرة.
إن هذا البعد لا يُقصى لأنه ضعيف، بل لأنه لا ينسجم مع الإطار الذي انتظم حوله الفهم. وهنا يكمن أحد وجوه الخلل: حضورٌ كثيف لما يظهر أو بالأحرى ما يطفو على السطح، يقابله تراجع لما يُؤثّر في العمق.
4 *. زاوية الرؤية وحدودها*
إن الفهم لا يتحدد بما يُرى فحسب، بل بالموقع الذي تُرى منه الأشياء. فكل قراءة تنطلق من موقع إدراكي تحكمه مصالح الفاعل وقيوده.
وعندما تستقر القراءة داخل هذا الموقع دون تجاوزه، تضيق القدرة على استيعاب منطق الأطراف الأخرى، وتقدير ردود أفعالها وإدراك التفاعلات الأوسع.
وعليه، فإن الإشكال لا يكمن في المعطيات، بل في محدودية الزاوية التي تُقرأ منها.
5 *. حين يُساء تقدير اللحظة*
يتصل أثر النفق اتصالًا وثيقًا بمفهوم الكايـروس، أي اللحظة التي يترتب عليها الفعل. فحين ينغلق الإدراك، تبدو هذه اللحظة أكثر وضوحًا مما هي عليه.
فالقرار، في هذه الحالة، لا يتم اتخاده لأن الشروط قد اكتملت فعلًا، بل لأن القراءة القائمة لم تترك مجالًا لما قد يناقض هذا الاكتمال. وهكذا، تتشكل قناعة بضرورة الفعل داخل أفق إدراكي محدود. ومن هنا، لا يقتصر الخلل على توقيت القرار، بل يمتد إلى تصوّر اللحظة نفسها.
6. *توسيع الأفق دون الوقوع في التشتت*
إن تجاوز أثر النفق لا يعني بالضرورة السعي إلى الإحاطة الكاملة، لأن ذلك صعب المنال، بل يقتضي الحفاظ على قدرٍ من الانفتاح يسمح بمراجعة القراءة كلما استدعى الأمر فعل ذلك. وهو ما يمكن أن يتحقق عبر:
– إبقاء الفرضيات قابلة للنقاش،
– إدماج قراءات مغايرة،
– الانتباه إلى ما لا ينسجم مع التفسير السائد،
– الحذر من كل وضوح سريع.
فالقيادة لا تقوم على تبسيط الواقع إلى حدّ إلغائه، بل على استيعاب تعقيده دون الارتهان له.
*عود على بدء*
وعليه فإن أثر النفق يبين أن الخطر في القيادة لا يكمن في نقص المعطيات، بل في انكماش الأفق الذي تُقرأ من خلاله تلك المعطيات. فحين يستقر الفهم داخل تفسير واحد، تتراجع القدرة على التقدير السليم، ويتحول الوضوح إلى مصدر تضليل.
وبالارتباط مع الكايـروس، يتبيّن أن إدراك اللحظة الحاسمة يفترض إدراكًا غير منغلق للواقع. إذ لا يمكن أن تكون اللحظة دقيقة إذا بُنيت على صورة ناقصة.
ومن ثم، لا يتوقف التحدي عند امتلاك رؤية، بل يمتد إلى صيانتها من الانغلاق حين تبدو في أوج وضوحها.