عيد الأضحى في المغرب… حين يتحول القربان إلى طقس ٱجتماعي يذبح ما تبقى من كرامة الأسر.

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

لم يعد عيد الأضحى في المغرب ذلك الطقس الروحي النقي الذي تتجلى فيه معاني القربان والتكافل والتراحم، بل ٱنزلق، في سياق ٱجتماعي مأزوم، إلى ٱمتحان قاس لقدرة الأسر على الٱحتمال، وٱختبار صامت لمدى قدرتها على النجاة من طاحونة الإستهلاك القسري.

 

لقد تحول العيد، على نحو مفارق، إلى موسم تستنزف فيه الجيوب وتثقل فيه الكرامات بالديون، بدل أن تجبر فيه الخواطر وتصان فيه القيم.

يكشف التحليل “السوسيو_ٱقتصادي” لهذا التحول، عن ٱختلال بنيوي عميق:

«فالشعيرة التي يفترض أن تكون تعبيرا عن التقوى والٱمتثال، أعيد توظيفها داخل منطق السوق لتغدو أداة لإعادة إنتاج التفاوت الإجتماعي، ومؤشرا غير معلن للإنتماء الطبقي».

لم تعد الأضحية خيارا روحيا خالصا لوجه الله، بل تحولت إلى (واجب ٱجتماعي قهري)، تمارس عبره ضغوط رمزية قاسية على الفئات الهشة.

غير أن الأخطر من كل ذلك، هو إفراغ الأضحية من روحها الديني، وإعادة ترتيبها داخل سلم الأولويات الإجتماعية، لا بوصفها شعيرة تعبدية، بل كوسيلة لإرضاء رغبات الأطفال، أو كأداة لتلميع الصورة الإجتماعية أمام الجماعة… وهنا، يحدث الإنزلاق القيمي الحقيقي:

«حين تصبح الأضحية ٱستجابة لضغط نظرات الآخرين، لا لنداء القناعة الروحية، وحين يتحول العيد إلى عرض ٱجتماعي، لا إلى لحظة صفاء إيماني».

لقد باتت الأسر، في كثير من الحالات، لا تشتري الأضحية لأنها مقتنعة، بل لأنها (لا تريد أن تحرج أبناءها)، أو لأنها (تخشى كلام الناس).

وهكذا، يختزل الدين في مظهر، وتختزل الشعيرة في طقس ٱستهلاكي فاقد للمعنى.

في هذا السياق، لم يكن تضخم أسعار الأضاحي مجرد نتيجة عرضية، بل هو نتاج تفاعل معقد بين المضاربة، وغياب الضبط الفعال، وتغول الوسطاء.

فتجد الأسرة المغربية نفسها أمام خيارات مرة:

«الإستدانة، أو ٱستنزاف المدخرات، أو التضحية بحاجات أساسية، فقط للحفاظ على صورة ٱجتماعية هشة».

لكن التحول اللافت، والذي لا يمكن تجاهله، هو بروز نوع من (التمرد الصامت) داخل المجتمع.

فعدد متزايد من المواطنين بدأ يراجع علاقته بهذه الشعيرة في ظل هذا التشويه القائم، بل إن كثيرا من معارفي، كما هو حال شريحة واسعة من المغاربة، عبروا صراحة عن نيتهم عدم شراء الأضحية العام المقبل، وربما في الأعوام المقبلة، ما دام الوضع على ما هو عليه من غلاء فاحش وٱنحراف عن جوهر الشعيرة.

وأكثر من ذلك، على المستوى الشخصي، لم أضحي هذا العام، ليس عجزا، بل ٱنسجاما مع مبدأ أومن به:

«إذا غلا عليّ شيء تركته».

لم يكن القرار سهلا، خاصة في ظل وجود أطفال صغار، لكنني ٱخترت المواجهة الصادقة بدل المسايرة الصامتة.

جلست معهم، وشرحت لهم واقع الغلاء، وكيف أفرغت الأضحية من معناها الحقيقي، فكان التفاعل أعمق مما يتصور، خصوصا مع وجود زوجة واعية، ومتفهمة.

لقد ٱقتنعوا.. ليس فقط بالكلام، بل بالروح التي حملها.

مر العيد، رغم غياب الأضحية، في أجواء سادها الحب والفرح والسرور، بعيدا عن ضغط ال الٱستعراض وثقل المقارنة.

أما بعد العيد، فإن المأساة تستمر بصمت:

«تكاليف التخزين، ٱستهلاك الطاقة، الهدر الغذائي، وسلوكيات ٱستهلاكية غير عقلانية».

كل ذلك يكشف عن خلل أعمق في علاقتنا بالإستهلاك، وفي فهمنا لمعنى الوفرة والتدبير.

إن ما نعيشه اليوم يفرض مراجعة جذرية لتمثلاتنا الجماعية لشعيرة الأضحية، وفصلها عن النزعة الإستهلاكية التي شوهت مقاصدها.

كما يستدعي جرأة مجتمعية في إعادة تعريف “الفرح”، بعيدا عن القوالب الجاهزة التي تفرضها الأعراف، فليس من التقوى أن تراق الدماء وتراق معها كرامة الناس.

وليس من الحكمة أن يتحول عيد الرحمة إلى موسم للمعاناة الصامتة.

 

إن العيد الذي شرع للتيسير، لا ينبغي أن يتحول إلى عبء، ولا أن يختزل في صورة تلتقط أمام الآخرين.

عيد الأضحى في المغرب اليوم ليس مجرد مناسبة دينية، بل مرآة صادمة لٱختلالات عميقة… ومن لا يملك شجاعة النظر في هذه المرآة، سيواصل كل عام أداء الطقس نفسه، دون أن يدرك أن الذبيحة الحقيقية لم تعد تلك التي تذبح في الساحات، بل تلك التي تذبح بصمت داخل القيم.

Comments (0)
Add Comment