م . س : بيان مراكش
في المدن لا يقاس العمران فقط بعلو البنايات واتساع الطرقات، بل يقاس أيضا بقدرة الإنسان على أن ينام مطمئنا، وأن يجد في الليل إمتدادا لسكينته لا امتدادا لقلقه… فالمدينة التي تفقد هدوءها تفقد شيئا من روحها، لأن الحضارة في جوهرها ليست إسمنتا وحديدا ، بل هي إحترام الإنسان للإنسان ، واحترام الحق الجماعي في الراحة والأمان.
هكذا تبدو الصورة اليوم بتجزئة سيتي سبور بواحة سيدي إبراهيم بمراكش ، حيث لم يعد الليل زمنا للسكينة ، بل تحول لدى كثير من الأسر إلى موعد يومي مع الضجيج والفوضى والإستعراض العبثي . هناك قرب الملعب الكبير لمراكش ، تنطلق بعض الدراجات النارية كأنها في سباق ضد الهدوء نفسه ، ويعلو صخب المحركات كأنه إعلان دائم عن إنتصار النزق على النظام، والإندفاع على العقل.
لقد ضاقت الساكنة ذرعا بهذه التصرفات الطائشة التي جعلت من الفضاء العمومي حلبة مفتوحة للاستعراض والسرعة، في مشاهد تتكرر إلى ساعات الفجر الأولى، دون إكتراث بأطفال يبحثون عن نوم هادئ ، أو مرضى يحتاجون إلى السكينة ، أو أسر أنهكها الإنتظار الطويل لليل طبيعي يشبه ليالي البشر.
والمؤلم في الأمر، أن الضجيج لا يقتل الراحة فقط، بل يقتل الإحساس بالإنتماء إلى مدينة تحفظ كرامة سكانها ، فالإنسان حين يفقد حقه في الهدوء ، يشعر تدريجيا أن المجال لم يعد يحتضنه، وأن الفضاء الذي يفترض أن يكون مشتركا أصبح رهينة لمنطق القوة والفوضى والإستعراض.
ومع ذلك فإن الساكنة، وهي ترفع صوتها بمرارة المسؤولية لا بإنفعال الغضب ، لأنها تؤمن بأننا في دولة الحق والقانون ، بما يقتضيه ذلك من حماية للطمأنينة الجماعية قبل أي إعتبار آخر، وتضع ثقتها في المقاربة التشاركية التي ينهجها والي جهة مراكش آسفي السيد خطيب الهبيل في تدبير الشأن الترابي، وما يعكسه حضوره الميداني من حرص على تتبع الإشكالات ، والتفاعل مع انشغالات المواطنين بما يجعل من ثقافة القرب والإنصات ركيزة أساسية في ترسيخ الحكامة الجيدة وتعزيز فعالية التدخل العمومي.
فهل آن الأوان لإعادة الإعتبار لحق الساكنة في الهدوء الليلي داخل هذا الحي ؟ وكيف يمكن تعزيز آليات الضبط والتتبع لضمان إحترام الفضاء العمومي؟! وأي دور يمكن أن تلعبه المقاربة الميدانية في إحتواء هذه الظاهرة التي باتت تؤرق الأسر بشكل متكرر ؟!