“شناقة السوايع”: سرطان ينخر جسد التعليم العمومي في ظل غياب المراقبة التربوية

في الوقت الذي تترنح فيه المنظومة التعليمية المغربية تحت وطأة مشاكل مزمنة، تبرز على السطح ظاهرة خطيرة باتت تهدد ما تبقى من مصداقية التعليم العمومي وتكرس اللامساواة بين أبناء الوطن الواحد. إنها ظاهرة “شناقة السوايع”، وهو مصطلح عامي بليغ يصف فئة من المدرسين الذين حولوا رسالة التربية والتعليم إلى تجارة مربحة، مستغلين في ذلك غياب آليات المراقبة والمحاسبة، وعلى رأسها الدور الباهت والمختفي للمراقبة التربوية.

مذكرات وزارية في مهب الريح
على مدى عقود، أصدرت وزارة التربية الوطنية سيلا من المذكرات الوزارية التي تهدف إلى منع أو تقنين الساعات الإضافية المؤدى عنها. ولعل أبرزها المذكرة الوزارية رقم 233 الصادرة بتاريخ 11 دجنبر 2014، التي منعت بشكل صريح على المدرسين تقديم دروس خصوصية مؤدى عنها لتلاميذتهم، معتبرة هذه الممارسة “خطأ مهنيا” يضرب في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص ويستوجب إجراءات تأديبية. سبقتها وتلتها مذكرات أخرى (كمذكرات 1991، 1997، 2002) حاولت جميعها كبح هذا المد التجاري الذي يحول فصول الدراسة العمومية إلى فضاء لتصيد الزبائن.

ولكن، لماذا لم تجد هذه المذكرات طريقها للتفعيل؟ الجواب يكمن في التناقض الصارخ الذي كشفته المذكرة الوزارية رقم 24-225 الصادرة في 11 نونبر 2024، والتي رخصت لأساتذة التعليم العمومي بإنجاز ساعات إضافية في مؤسسات التعليم الخصوصي وفق شروط معينة. هذا التضارب في القرارات فتح الباب على مصراعيه للتأويلات والتحايل، وأفرغ المذكرات المانعة من محتواها، مانحا “شناقة السوايع” الغطاء لممارسة “جريمتهم” التربوية في الكراجات والمنازل ومراكز الدعم التي انتشرت كالفطر، بعيدا عن أي رقابة ضريبية أو بيداغوجية.

الدور الباهت للمراقبة التربوية: غياب يغذي التسيب
في هذا السياق، يطرح التساؤل الحارق حول دور هيئة التفتيش والمراقبة التربوية. ففي الوقت الذي كان من المفترض أن يكون المفتش التربوي هو الضامن لجودة العملية التعليمية والمراقب الميداني لأداء المدرسين، تحول دور هذه الفئة، في نظر الكثيرين، إلى دور صوري وباهت. أصبح من المألوف أن يقضي أستاذ سنوات طوال، قد تصل إلى خمس أو ست سنوات، دون أن تطأ قدم مفتش تربوي قسمه إلا لغرض الترقية في الدرجة أو السلم. فأين التأطير والمواكبة والمراقبة؟
تتحدث الأوساط التعليمية بكثير من المرارة عن واقع بعض المفتشين الذين تحولوا إلى “موظفين أشباح”، يتقاضون رواتب تتجاوز في كثير من الأحيان 20 ألف درهم شهريا، دون أن يقدموا القيمة المضافة المرجوة منهم. فبدلا من إنجاز البحوث التربوية وتشريح مكامن الخلل في المنظومة والإشراف الفعلي على المدرسين في الميدان، يكتفي البعض، حسب شهادات من القطاع، باحتساء أكواب القهوة في انتظار تعويضات التنقل التي قد لا يقومون به أصلا، أو بتكريس جهودهم لخدمة قطاع التعليم الخصوصي الذي يضمن لهم عائدا ماديا إضافيا، في تضارب صارخ للمصالح.
هذا الفراغ الرقابي هو الأوكسجين الذي يتنفس منه “شناقة السوايع”. فعندما يدرك الأستاذ أنه بمنأى عن أي محاسبة أو مراقبة جدية، يتجرأ على إهمال واجبه في القسم العمومي، ويحتفظ بمجهوده وطاقته الحقيقية للساعات المؤدى عنها، بل ويصل الأمر ببعضهم إلى حد ابتزاز التلاميذ من خلال إعطاء نقط متدنية في فروض المراقبة المستمرة لدفعهم قسرا نحو “سوق الدعم” الذي يديره.

“ولاد الشعب” هم الضحية
النتيجة الحتمية لهذه الفوضى هي تدمير ممنهج للتعليم العمومي. لقد أصبح “ولاد الشعب”، الذين لا تملك أسرهم القدرة على دفع تكاليف الدروس الخصوصية الباهظة، ضحية هذا النظام المأزوم. يجدون أنفسهم في فصول دراسية أفرغت من محتواها، أمام مدرسين لا هم لهم سوى استنزاف جيوبهم، مما يدفع الكثير من الأسر الميسورة، وحتى المتوسطة، إلى الهروب نحو التعليم الخصوصي، ليس بالضرورة لجودته، بل لضمان نجاح أبنائهم وتجاوزهم المستويات دون عناء، حيث أصبحت النقط في كثير من الأحيان سلعة تباع وتشترى.
إن تدني نتائج البكالوريا في مؤسسات التعليم العمومي بالمدن الكبرى، رغم الأرقام الرسمية التي قد تبدو إيجابية أحيانا، هو انعكاس لهذه الأزمة. فالعديد من الناجحين في العمومي مدينون في تفوقهم للساعات الإضافية التي أثقلت كاهل أسرهم، وليس للمدرسة العمومية التي من المفترض أن تكون الحاضنة الطبيعية للعلم والاجتهاد وتكافؤ الفرص.

إن استمرار ظاهرة “شناقة السوايع” وتغولها ليس مجرد ممارسة معزولة، بل هو عرض لمرض أعمق يتمثل في غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح، وفي انهيار منظومة المراقبة والمحاسبة. فلا يمكن الحديث عن الجودة والإنصاف وتكافؤ الفرص في ظل مذكرات وزارية متضاربة، وهيئة تفتيش غائبة عن الميدان، ومدرسين تحولوا إلى تجار. إن إنقاذ المدرسة العمومية يتطلب اليوم وقفة حازمة وصارمة، تبدأ من تفعيل القانون على الجميع، ومساءلة كل من يخل بواجبه، من الأستاذ في قسمه إلى المفتش في مكتبه، قبل أن نفقد آخر حصوننا في وجه الجهل واللامساواة.

Comments (0)
Add Comment