“سلامتك وتعيش “… حين تتحوّل المجاملة إلى بيان إدانة.

متابعة : حامد الزيدوحي/بيان مراكش Bayanemarrakec

 

بقلم: خالد شريف

 

ليست عبارة «سلامتك وتعيش» في نص الشاعر أبو الغضب – نصرالدين خيامي بلمهدي جملة عابرة من قاموس المجاملات اليومية، بل تتحوّل في هذه القصيدة إلى لازمة ساخرة تُعرّي واقعًا عربيًا مأزومًا، وتكشف كيف أصبح البقاء بحد ذاته إنجازًا يُحتفى به، ولو كان بلا كرامة أو حلم.

 

لغة النفي والفراغ

 

يفتتح الشاعر قصيدته بسلسلة من الجمل القصيرة المكثّفة:

 

كلام مافيش / سكات مافيش / عيش مافيش / أحلام مافيش

 

هذا التتابع القائم على النفي لا يعبّر فقط عن الفقر المادي أو القمع السياسي، بل عن الفراغ الوجودي الشامل؛ فحتى الصمت لم يعد متاحًا، وحتى الحلم صار تهمة. اللغة هنا عامية، لكنها واعية بوظيفتها، قادمة من الشارع، موجّهة إلى الناس بلا وسائط ثقافية أو نخبوية.

 

سؤال الهوية المكسورة

 

في مقطع لاحق، يطرح الشاعر أسئلة متلاحقة:

 

أنت مين؟ ابن مين؟ رايح فين؟ جاي منين؟

 

ليست هذه أسئلة تعريف، بل محاكمة لهوية مخلخلة. إنّها هوية المواطن المجرّد من جذوره، المعلّق بين ماضٍ مسلوب ومستقبل مغلق، فلا يعرف من يكون ولا إلى أين يسير.

 

من الاقتلاع إلى القبور

 

تتصاعد حدّة الصورة الشعرية في مقاطع مثل:

 

خلعونا من الجذور / سجنونا في القبور

 

هنا يبلغ النص ذروة القسوة، حيث تتحوّل الحياة إلى قبر مفتوح، والاقتلاع إلى سياسة ممتدة «على مرّ العصور». لا استعارة تجميلية في هذه الصور؛ إنها بلاغة الصدمة التي تراهن على الوجع لا على الزخرفة.

ثقافة «معلش» والهزيمة المؤجَّلة

 

يخصّص الشاعر مقطعًا لفضح أخطر ما في المشهد: التطبيع مع الهزيمة:

 

مهازل معليش / مساخر معليش / هزيمة معليش

 

هذه الثلاثية تكشف كيف تحوّلت الكارثة إلى أمر اعتيادي، وكيف صار التبرير أسلوب حياة، يضمن استمرار القهر بأقل قدر من المقاومة.

 

القانون في السجون

 

ينتقل النص من توصيف المعاناة إلى نقد البنية السياسية:

 

قالوا فيه قانون / والقانون جوا سجون

 

جملة بسيطة، لكنها تلخّص مأساة العدالة حين تُختزل في نصوص محبوسة، لا ترى النور إلا لتبرير القمع، لا لحماية الإنسان.

 

إدانة الصمت

 

لا يكتفي الشاعر بتوجيه سهامه إلى السلطة، بل يلتفت إلى المتفرّج:

 

شايف وضميرك عايف / ممكن تكون خايف

 

هنا يصبح الصمت شريكًا في الجريمة، والخوف مبررًا أخلاقيًا هشًّا لا يعفي صاحبه من المسؤولية.

 

خاتمة: حياة بلا عيش

 

تعود اللازمة في كل مرة: «سلامتك وتعيش»، لكنها في النهاية تُقال بنبرة مُرّة. فالقصيدة لا تحتفل بالحياة، بل تسأل:

 

أي حياة هذه التي نُطالب بالحفاظ عليها، وقد سُلب منها العيش؟

 

إنّ «سلامتك وتعيش» ليست قصيدة للمتعة الجمالية بقدر ما هي نص احتجاجي، يضع القارئ أمام مرآة قاسية، ويجبره على مواجهة السؤال الأصعب:

هل نعيش… أم نكتفي بالسلامة فقط؟

 

————– القصيدة للقراءة

 

سلامتك وتعيش

 

كلام مافيش

سكات مافيش

عيش مافيش

أحلام مافيش

سلامتك .. وتعيش

 

 

 

أتقول أنت مين

وأبن مين

رايح فين

جاي منين

سلامتك .. وتعيش

 

 

 

خلعونا من الجذور

سجنونا في القبور

رمونا في البحور

على مرالعصور

سلامتك .. وتعيش

 

 

 

يا غلبان الملامح

طفحت بك المجاريح

وزمانك نوايح

كيف لليلك ونهارك رايح

سلامتك .. وتعيش

 

 

 

يا عم جمال

الصبر طال

وإحنا مرعى للأنذال

ورأس من على الأكتاف مال

سلامتك .. وتعيش

 

 

 

هيلمان .. ياهيلمان

قالوا : كلام بدون أوزان

بدنا فلاسفة وترجمان

ليه وفين ومين وكان

سلامتك .. وتعيش

 

 

 

مهازل معليش

مساخر معليش

هزيمة معليش

تضليل معليش

سلامتك .. وتعيش

 

 

 

قالوا : فيه قانون

والقانون جوا سجون

ممكن يكون مجنون

ولا يسمع ولايحزنون

سلامتك .. وتعيش

 

 

 

اسمعني ياللي شايف

وضميرك عايف

ممكن تكون خايف

بتمص في شفايف

سلامتك .. وتعيش

 

 

 

حرنكش .. حركيش

في ظلمة الخفافيش

علموك الصبر وصبر مافيش

أكلوا أرزاقنا والعيش

سلامتك .. وتعيش

 

 

الشاعرأبوالغضب

نصرالدين خيامي بلمهدي

غزة 2015

Comments (0)
Add Comment