بقلم: رشيد زلاغ
لم تعد مدينة مراكش في حاجة إلى تقارير تقنية مطوّلة ولا إلى لجان تفتيش موسمية لتشخيص أعطابها؛ يكفيها أول مطر. فمع أولى القطرات تنكشف الحقيقة كاملة: شوارع تتحول إلى مجارٍ، أحياء تغرق في صمت، وبنية تحتية تعلن عجزها أمام اختبار بسيط.
في قلب هذا المشهد، تقف ساحة جامع الفنا شاهدة على المفارقة الصادمة: فضاء عالمي، أيقونة سياحية وواجهة حضارية، يتحول إلى برك مائية، رغم الملايير التي صُرفت لإعادة تأهيله ضمن مشروع “مراكش الحاضرة المتجددة”. فهل يتعلق الأمر بخلل تقني عابر، أم بفشل في منطق التدبير من الأساس؟
المشروع الذي أُطلق سنة 2014 برؤية استراتيجية سامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، كان يحمل وعداً واضحاً: مراكش حديثة، قوية البنية، ومتوازنة بين العراقة ومتطلبات العصر. لكن ما بين الرؤية الرفيعة والتنزيل المحلي، يبدو أن شيئاً ما انكسر في الطريق.
فاليوم، وبعد أكثر من عقد، لا تزال المدينة تعيش على إيقاع المشاهد نفسها: تساقطات عادية… ونتائج استثنائية في الفشل. وهنا يطرح السؤال الحقيقي: أين اختفت فعالية هذه البرامج؟ وأين أثرها على الأرض؟
الأكثر إثارة أن ملف حماية مراكش من الفيضانات، الذي يُفترض أن يكون في صلب “مراكش الحاضرة المتجددة”، ظل حبيس الأوراق والخطابات. بل إن هذا الورش، الذي كان يفترض أن يندمج مع المخطط التوجيهي للتهيئة في أفق 2040 وبرنامج عمل جماعة مراكش، يظهر في الواقع وكأنه يشتغل في عزلة، دون انسجام حقيقي ودون أثر ملموس على البنية التحتية، سواء في المدينة العتيقة أو في أحياء التوسع العمراني.
كيف يُعقل أن تُرسم مخططات استراتيجية كبرى وتُرصد لها ميزانيات ضخمة، ثم تظل قنوات تصريف مياه الأمطار عاجزة عن استيعاب أول اختبار ميداني؟ وكيف تُصرف الملايير، بينما المواطن لا يرى سوى المشهد نفسه يتكرر كل سنة؟
المشكل لم يعد تقنياً فقط، بل أصبح سياسياً بامتياز، في ظل تعدد البرامج وتضارب الرؤى وتيه مراكز القرار. جماعة، جهة، عمالة، مؤسسات عمومية، وجماعات مجاورة… الجميع حاضر على الورق، لكن عند أول مطر يغيب الأثر في الميدان.
وفي هذا السياق، يبرز أن لقد سبق لنا التحذير من رداءة الأشغال من داخل المؤسسات، وعبر مقالات متكررة، غير أن ذلك ظل دون تفاعل، إلى حين هطول الأمطار لتكشف المستور، وكذا عدم احترام الآجال المحددة لإنهاء الأشغال في جل المشاريع المفتوحة بالمدينة.
وفي قلب هذا التعقيد، يبرز اسم رئيسة مجلس جماعة مراكش، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، التي تجمع بين تدبير الشأن المحلي ومسؤولية حكومية كوزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، إضافة إلى موقعها داخل مجلس الرقابة لمجموعة العمران. موقع يُفترض أن يعزز الالتقائية ويضمن انسجام القرار، غير أن الواقع يطرح سؤالاً مباشراً ومحرجاً: أين أثر هذه الالتقائية على الأرض؟
ثم ماذا عن برنامج عمل جماعة مراكش 2023-2028؟ أرقام بالملايير تُعلن، ومشاريع تُقدَّم، لكن المواطن لا يلمس إلا اختناقاً مرورياً متفاقماً، وضعفاً في البنية التحتية، ومدينة تغرق مع أول اختبار مناخي.
وإذا كانت ساحة جامع الفنا، قلب المدينة النابض، تعاني بهذا الشكل، فكيف هو حال الأحياء الهامشية؟ وكيف تبدو وضعية المحاور الطرقية التي تتحول إلى نقاط سوداء كلما هطلت الأمطار؟
الحقيقة الصادمة أن مراكش لا تعاني من نقص في البرامج، بل من فشل في التنزيل. لا تعاني من غياب الرؤية، بل من ضعف في احترامها على أرض الواقع. ولا تعاني من قلة الإمكانيات، بل من غياب حكامة حقيقية تربط المسؤولية بالمحاسبة.
اليوم، لم يعد السؤال: ماذا سنفعل؟ بل: لماذا لم نفعل رغم كل ما صُرف؟ ولماذا لا تزال المدينة تعيش الأعطاب نفسها؟
إن إنقاذ مراكش من هذا الوضع لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى صدمة تدبيرية حقيقية: تقائية فعلية بين البرامج، انسجام بين المتدخلين، الاستعانة بالكفاءات المحلية من مهندسين وخبراء أبناء المدينة، هم الأدرى بشعابها، وربط صارم بين المسؤولية والنتائج.
وإلا… سنظل أمام المشهد نفسه كل سنة: مطر عادي… ومدينة تغرق في أسئلة بلا أجوبة.