✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في الأيام الأخيرة ٱجتاحت منصات التواصل الإجتماعي موجة عارمة من المنشورات والتسجيلات التي تحذر من خطر محدق يتمثل في خطف الأطفال على يد نساء منتقبات!
مقاطع قصيرة، صور مبهمة، روايات متناقضة، وعبارات مشحونة بالخوف، كلها تتكاثر بسرعة البرق في فضاء رقمي لا يعترف بالتثبت ولا ينتظر الأدلة.
وهكذا، في لحظة خاطفة، تحول النقاب من لباس ديني ٱختارته بعض النساء عن قناعة إلى مشتبه به جماعي في محكمة الرأي العام!
غير أن المثير في هذه الحملة ليس الخوف على الأطفال، فذلك شعور إنساني مشروع، بل الطريقة التي جرى بها توجيه هذا الخوف نحو فئة بعينها. وكأن المجتمع قرر، بقرار غير مكتوب، أن يجعل من قطعة قماش سوداء قرينة ٱتهام، ومن كل امرأة منتقبة مشروع مجرمة محتملة.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
– هل نحن أمام ظاهرة إجرامية فعلا؟
أم أمام ظاهرة خطابية تصنع بعناية في دهاليز التحريض الرقمي؟
ٱجتماعيا، لا أحد ينكر أن قضية اختطاف الأطفال تستدعي يقظة المجتمع وأجهزة الأمن معا، غير أن تحويل القلق المشروع إلى هستيريا جماعية يفتح الباب أمام نوع آخر من الظلم، هو ظلم التعميم.
فالمجتمعات التي تفقد قدرتها على التمييز بين الجريمة واللباس، وبين الفعل الفردي والهوية الجماعية، سرعان ما تجد نفسها في حالة ٱرتباك أخلاقي، حيث يصبح المظهر دليلا، والإشاعة حكما نهائيا.
أما دينيا، فإن النقاب سواء ٱتفق الناس حول حكمه الفقهي أو ٱختلفوا، يظل في النهاية تعبيرا عن قناعة دينية لدى شريحة من النساء.
ومن المفارقات الساخرة أن يتحول لباس ٱرتبط في المخيال الشعبي بالحشمة والتدين إلى تهمة جاهزة.
– فهل أصبح الطريق إلى حماية الأطفال يمر عبر محاكمة المظاهر الدينية؟
– أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف الوعي، وسهولة تصديق كل ما يطفو على سطح الشبكات الإجتماعية من روايات غير موثقة؟
سياسيا، لا تبدو مثل هذه الحملات بريئة تماما، فالتاريخ القريب يخبرنا أن النقاش حول اللباس الديني لا ينفجر صدفة، بل يظهر غالبا في لحظات توتر ٱجتماعي أو سياسي، ليتحول بسرعة إلى موضوع رأي عام يستهلك طاقة المجتمع ويصرف الأنظار عن قضايا أكثر عمقا وإلحاحا.
وهكذا يصبح النقاب مرة أخرى ساحة صراع رمزي بين رؤيتين للمجتمع:
رؤية تدافع عن الحرية الفردية في إطار الهوية، وأخرى ترى في كل تعبير ديني قوي تهديدا ينبغي تحجيمه.
والأدهى من ذلك أن وسائل التواصل الإجتماعي، التي يفترض أن تكون فضاء للنقاش الحر، تحولت إلى ماكينة ضخمة لتضخيم الشائعات.
يكفي أن يكتب شخص مجهول قصة بلا دليل، حتى تتحول في ساعات إلى حقيقة شعبية يتداولها الآلاف.
وهنا لا يختطف الأطفال في الروايات فقط… بل تختطف أيضا عقول الناس وقدرتهم على التفكير الهادئ.
إن حماية الأطفال واجب لا يقبل الجدل، لكن حماية المجتمع من خطاب التحريض والتعميم لا تقل أهمية.
فحين يصبح النقاش حول الجريمة نقاشا حول النقاب، نكون قد أخطأنا العنوان.
وحين تتحول الإشاعة إلى يقين، نكون قد سلمنا عقولنا لعدالة ٱفتراضية لا تعرف التحقيق ولا تعترف بالبراءة.
وفي النهاية يبقى السؤال الأكثر سخرية ومرارة في آن واحد:
– هل الخطر الحقيقي هو امرأة ترتدي نقابا في الشارع… أم عقل يصدق كل ما يظهر في هاتفه دون أن يسأل عن الحقيقة؟