✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
لم يعد التلميذ في قاعات الإمتحان يمتحن في اللغة، ولا في مهارات التحليل، بل صار على ما يبدو يمتحن في شيء آخر أكثر حساسية «قناعاته».
النص الذي طرح في الإمتحان الجهوي للأولى باكالوريا حول “العزوف السياسي” لم يكتف بتقديم الظاهرة أو فتح باب النقاش حولها، بل مضى أبعد من ذلك، حين قدم حكما جاهزا، يكاد يكون نهائيا، مفاده أن المقاطعة (سلاح سلبي لا يغير شيئاً).
وهنا، تسقط ورقة التوت عن حياد بيداغوجي يفترض أنه مقدس، لنجد أنفسنا أمام خطاب موجه، يمرر في لحظة لا يملك فيها التلميذ رفاهية الإختلاف.
الخطير في الأمر ليس مضمون الفكرة في حد ذاته، بل سياق تمريرها.
فحين يوضع التلميذ تحت ضغط الزمن ونقطة الإمتحان، ويطلب منه أن (يوسع فكرة) تنطلق أصلا من موقف محدد، فإننا لا نختبر قدرته على التفكير، بل قدرته على التكيّف!
التلميذ هنا لا يكتب ما يقتنع به، بل ما يعتقد أنه سيرضي المصحح، وهكذا تتحول ورقة التحرير إلى تمرين في الذكاء التكتيكي، لا في الصدق الفكري.
النص نفسه يعترف دون أن ينتبه بقوة ما يحاربه…
فهو حين يفرد كل هذا الجهد لإقناع القارئ بأن المقاطعة غير مجدية، فإنه يقر ضمنيا بأنها ظاهرة مؤثرة، بل ومقلقة.
فلو كانت بلا وزن، لما ٱستحقت أن تستدعى إلى قاعة الإمتحان، ولما جرى تجنيد خطاب كامل لمواجهتها.
ثم إن المفارقة تبلغ ذروتها حين يتحدث النص عن «حرية الاختيار» وحق المواطن في عدم الإنتماء، قبل أن يعود ليحذر من تبعات العزوف، وكأن الحرية مقبولة… ما دامت لا تمارس!
إنها حرية مشروطة، تمنح باليد اليمنى وتسحب باليسرى.
– أي رسالة نبعثها لتلاميذ في عمر 16 أو 17 سنة؟
– هل نقول لهم فكروا كما تشاؤون؟
– أم فكروا… ولكن في الإتجاه الصحيح؟
– هل نربي جيلا قادرا على مساءلة الخطاب؟
– أم جيلا بارعا في إعادة إنتاجه؟
إن المدرسة، حين تفقد حيادها، تفقد جزءا من مشروعيتها.. لأنها تتحول من فضاء للتعلم إلى فضاء للتوجيه، ومن مختبر للأفكار إلى قناة لتمريرها.
والإمتحان حين يتورط في هذا الدور، لا يعود مجرد (أداة تقييم)، بل يصبح ولو بشكل ناعم (أداة تأطير).
قد ينجح التلميذ في الإجابة، ويحصل على نقطة جيدة، لكنه في المقابل يتعلم درسا أخطر: «أن الحقيقة ليست ما تراه، بل ما يطلب منك أن تراه».
وهنا، لا يكون العزوف هو المشكلة… بل الخوف من حرية الإختيار.