حين يتحدث الناطق الرسمي… وتزداد الأزمة صمتًا!

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

في بلد تُدار فيه الأزمات بالبيانات، وتُخمد النيران بالتصريحات، قررت الحكومة أن تُطفئ غضب الشارع بطلقة صوتية جديدة من فم ناطقها الرسمي “مصطفى بايتاس”، الذي خرج إلى برنامج “صدى الحدث” على قناة ميدي1 ليُثبت لنا من دون قصد طبعا، أن أخطر ما في الأزمة ليس ما يجري في الشارع… بل ما يخرج من أفواه المسؤولين!

فبدل أن يكون ظهوره لحظة إنصات وتبصّر، تحوّل إلى مشهد من كوميديا سياسية سوداء، حيث بدا الناطق الرسمي كمن فوجئ بأن هناك أزمة أصلا، وأن شباب جيل (زِدZ)، لم يخرجوا إلى الشوارع من أجل (الترند)، بل لأنهم سئموا من حكومة لا تسمع إلا صدى نفسها.

في تلك اللحظة، بدا وكأن الرجل يتحدث من كوكب آخر… كوكب ما زال ينتظر تقريرا رسميا ليخبره أن الشارع يغلي، وأن دفترا مطلبيا وصل إلى القصر الملكي، بينما هو ما يزال يبحث عن (مصدر موثوق) يؤكد له أن الإحتجاجات ليست إشاعة من الفيسبوك!!

وبينما رفع شباب جيل (زيدZ) دفترهم المطلبي إلى الملك “محمد السادس”، واضعين مطلب إقالة الحكومة على رأس أولوياتهم، جلس الناطق الرسمي أمام الكاميرات مرتبكا، يرد بٱنفعال على أسئلة الصحفي “نوفل العوالمة”، الذي لم يفعل سوى نقل ما أصبح حديث الناس، لحظة قصيرة كانت كافية لتكشف أن الأزمة ليست فقط أزمة سياسات عمومية، بل أزمة خطاب حكومي يفتقر إلى البوصلة، ويغذي الغضب بدل تهدئته.

خلال الحوار، حاول “بايتاس” أن يبعث برسالة طمأنة قائلا:
«رسالتكم وصلت، لكن نحتاج لأن نسمع مقترحاتكم في مختلف القضايا… السياسات العمومية ليست قرآنا منزلا، بل عمل بشري يصيب ويخطئ».

عبارات منمقة أراد منها الإيحاء بالإنفتاح والإستعداد للإصغاء، لكنها سرعان ما ٱنهارت أمام سؤال مباشر من “العوالمة”:
– ماذا عن الدفتر المطلبي الذي رفعه شباب جيل زيد إلى الملك؟

هنا، تخلى “بايتاس” عن هدوئه وهاجم الصحفي قائلا بٱنفعال:
«شوف أسيدي، أنا أسجل أنك الناطق الرسمي باسمهم؟ باش عرفتي هاد الشي؟ أنا ما وصلنيش هاد الشي هذا!».

الجواب كان كصفعة على وجه المنطق:
– كيف يُعقل أن يجهل الناطق الرسمي مطلبا بات في صدارة النقاش الوطني؟
– كيف لمن يُفترض أنه أول من يعلم، أن يكون آخر من يعرف؟

أما “العوالمة”، فكان رده هادئا وحادا:
«أنا لست من جيل (زيدZ) لأكون ناطقا بإسمهم، أنا صحفي أمارس مهنتي».

ٱنتهى الحوار بتوتر ظاهر، لكن ما بقي بعده كان أخطر من الكلمات، فالرجل الذي يقود تواصلا حكوميا يضم عشرات الأطر والفرق، أبان عن ٱرتباك عميق وغياب تام للمعلومة في لحظة كان يُفترض فيها أن يكون صوت التوازن والعقل.

الخطأ هنا لم يكن زلة لسان، بل تجسيدا مركزا لأزمة التواصل داخل الحكومة.
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الناس خطابا يشرح ويفسّر ويهدئ، خرج الخطاب مرتبكا، متشنجا، عاجزا عن ٱلتقاط نبض الشارع.
أضاع “بايتاس” فرصة نادرة لتصحيح المسار، لتحويل الأزمة إلى لحظة مصالحة مع الشباب، ولإعلان نية حقيقية في الإصغاء والمحاسبة.. لكنه ٱختار، دون قصد ربما، أن يكرّس الفجوة بين الحكومة والمواطنين.

إن الأزمات الإجتماعية لا تُدار فقط بالقرارات، بل بخطاب يُبنى على الصدق والثقة.
والخطاب الحكومي اليوم يبدو كمن يتحدث من برج زجاجي لا يسمع إلا صدى صوته!
حين تصل رسالة شباب جيل (زيد Z) إلى الملك خلال يومين، بينما الناطق الرسمي لا يعلم بوجودها، فالمشكلة لم تعد في بطء المعلومة، بل في غياب القنوات الحية التي تربط الدولة بجيلها الجديد.

ما أظهره “بايتاس” لم يكن مجرد ضعف تواصل، بل تناقض صارخ مع التوجيهات الملكية التي شددت مرارا على الجدية في العمل السياسي وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فبينما يرفع الملك سقف الإنصات والمسؤولية، يهبط الخطاب الحكومي إلى درك التبرير والغضب.

وفي المحصلة، لا يمكن قراءة أداء “بايتاس” بمعزل عن أداء الحكومة التي يمثلها. فٱرتباكه هو ادٱنعكاس مباشر لأزمة حكومة بكاملها، حكومة بلا رؤية تواصلية، بلا نَفَس سياسي، وبلا وعي بحجم التحول الإجتماعي الذي يعيشه المغرب.
حكومة تتحدث بلغة خشبية أمام جيل رقمي، وتتعامل مع الغضب ببيروقراطية باردة أمام واقع يغلي.

هكذا، بدل أن يُطفئ الناطق الرسمي نيران الأزمة… نفخ فيها أكثر.د!
وبدل أن يشرح، صرخ!!
وبدل أن يُطمئن، أربك!!!

وهنا، تتجلى المفارقة المرة:
«في لحظة يحتاج فيها الوطن إلى صوت حكيم يُسكّن القلوب… ٱخترنا أن نسمع صدى العجز وهو يتحدث باسم الحكومة.

Comments (0)
Add Comment