✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
لم يعد النقاش حول التعمير في المدن المغربية ترفا فكريا أو جدلا تقنيا محصورا بين المهندسين والمنتخبين، بل أصبح قضية رأي عام بٱمتياز، تتقاطع فيها رهانات العدالة المجالية، وٱحترام القانون، وحق المواطنين في بيئة عمرانية متوازنة.
وما تعيشه مدينة مراكش اليوم ليس سوى صورة مكثفة لٱختلال أعمق يضرب منظومة تدبير الشأن العمراني.
في قلب هذا الجدل، تبرز منطقة جليز، التي تحولت من فضاء هادئ ذي طابع معماري متجانس، إلى ساحة صراع صامت بين منطق القانون ومنطق الإستثناء.
ساكنة الأحياء، التي ٱختارت العيش في مناطق مخصصة للفيلات حفاظا على الخصوصية والهدوء، وجدت نفسها أمام واقع جديد يفرضه منطق التمدد الإسمنتي، حيث تزرع عمارات شاهقة وسط نسيج يفترض فيه الإنسجام.
المشكل هنا لا يتعلق ببناية أو مشروع بعينه، بل بمنطق تدبير يثير القلق:
– هل ما زالت تصاميم التهيئة وثائق ملزمة، أم مجرد حبر على ورق يمكن تجاوزه بتوقيع أو قرار إداري؟
– وهل السلطة التقديرية للمسؤولين أصبحت أداة لتنزيل القانون، أم وسيلة للإلتفاف عليه؟
إن أخطر ما في الأمر ليس فقط ما يروج حول خروقات محتملة، بل ذلك الإحساس المتنامي لدى المواطنين بأن القانون يطبق بٱنتقائية، وأن بعض القرارات تتخذ خارج منطق الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو إحساس كفيل بتقويض الثقة في المؤسسات، وفتح الباب أمام تأويلات لا تخدم صورة الإدارة ولا مصداقية المنتخبين.
الأدهى من ذلك، أن صمت بعض الجهات المعنية، في مثل هذه القضايا الحساسة، لا يقرأ بٱعتباره حيادا، بل يفهم أحيانا كنوع من التواطؤ أو العجز عن فرض ٱحترام القانون.
وفي الحالتين معا، تكون النتيجة واحدة:
✓إضعاف هيبة المؤسسات، ✓وتعميق فجوة الثقة بينها وبين المواطن.
إن التعمير ليس مجرد تراخيص تمنح، بل هو رؤية متكاملة لمستقبل المدينة، وكل قرار يتخذ خارج هذه الرؤية، هو في جوهره ٱعتداء على حق الأجيال القادمة في مدينة متوازنة ومنظمة.
لذلك، فإن أي تساهل في هذا المجال، مهما بدا بسيطا، قد يتحول إلى سابقة خطيرة تفتح بها أبواب الفوضى العمرانية على مصراعيها.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى وضوح في القرارات، وصرامة في تطبيق القانون، وجرأة في مساءلة كل من ثبت تجاوزه، أيا كان موقعه.
فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ دولة الحق والقانون، لا يمكن أن تقبل بٱزدواجية المعايير، ولا أن تغض الطرف عن ٱختلالات تمس جوهر العدالة المجالية.
ويبقى السؤال الذي يؤرق الجميع:
– هل نحن أمام لحظة تصحيح حقيقية تعيد الإعتبار لقواعد التعمير، أم أمام حلقة جديدة من مسلسل الإفلات من المحاسبة؟
الجواب لن تصنعه البيانات، بل ستكتبه القرارات.