حين تتحول الحياة اليومية إلى ٱمتحان قاس بلا نهاية.

!

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

لم يعد غلاء المعيشة في المغرب مجرد مؤشر ٱقتصادي يناقش في التقارير أو يمر في نشرات الأخبار كرقم عابر، بل أصبح واقعا يوميا يطارد المواطن في تفاصيله الصغيرة، ويختبر قدرته على الصمود أكثر مما يتيح له فرصة العيش.

 

في بلد يفترض أن يضمن لمواطنيه الحد الأدنى من الكرامة الإجتماعية كما ينص عليه “دستور المغرب 2011″، صار العيش الكريم نفسه يبدو كأنه ٱمتياز ينتزع ولا يمنح، وكأنه نتيجة صراع يومي مع سوق لا يرحم، ومع واقع ٱقتصادي يزداد قسوة دون أن يجد المواطن فيه أي سند حقيقي.

الأسعار اليوم لا ترتفع فقط، بل تتصرف وكأنها منفلتة من كل رقابة أو منطق.

الخضر، اللحوم، الكراء، النقل، العلاج… وحتى أبسط المواد الأساسية، كلها دخلت في دوامة تصاعدية جعلت المواطن لا يسأل:

– كم الثمن؟

– بل، هل يمكنني أن أشتري أصلا؟

وهذه ليست مبالغة خطابية، بل تحول خطير في سلوك الٱستهلاك نفسه، حيث لم يعد القرار الإقتصادي قرارا طبيعيا، بل أصبح عبئا نفسيا يوميا يسبق الشراء ويثقل الحياة قبل أن يبدأ الفعل نفسه.

الأخطر من ذلك، أن الطبقة الوسطى، التي كانت تاريخيا صمام الأمان الإجتماعي، بدأت تتآكل بصمت!

موظفون، أجراء، مهنيون، وكل من كان يفترض أن يعيش حياة مستقرة نسبيا، أصبح اليوم يعيش بين مطرقة الدخل الثابت وسندان الأسعار المتغيرة بٱستمرار.

هذه الطبقة لا تسقط فجأة، بل تدفع تدريجيا نحو الهامش، دون ضجيج، لكن بنتائج عميقة تمس توازن المجتمع برمته.

وفي ظل هذا الوضع، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع. كثيرا ما ترفع شعارات حماية القدرة الشرائية ومحاربة الغلاء، لكن المواطن في سوقه اليومي لا يرى سوى ٱستمرار نفس الضغط، وكأن السوق ترك يتحرك بمنطقه الخاص، بينما ترك المواطن ليواجهه وحده.

وهنا يتعمق الإحساس باللاعدالة، ليس فقط بسبب الغلاء، بل بسبب الإحساس بأن أحدا لا يمسك فعليا بزمام الوضع.

لقد أصبح الٱستهلاك نفسه فعلا مشحونا بالتوتر.

الدخول إلى السوق لم يعد نشاطا عاديا، بل لحظة حساب دقيقة، فيها كثير من التردد والإختيار المؤلم والتخلي عن الضروري أحيانا.

هذا التحول الصامت خطير، لأنه يعني أن الغلاء لم يعد خارجيا فقط، بل تسلل إلى طريقة التفكير اليومية للأسر، وأعاد تشكيل علاقتها بالحياة نفسها.

وفي المقابل، يتساءل المواطن، بصوت منخفض لكنه متكرر:

– من يحميه فعليا من هذا النزيف المتواصل؟

– أين أثر المراقبة؟

– أين دور محاربة المضاربة والإحتكار؟

– وأين تترجم السياسات العمومية نفسها على أرض السوق؟

حين تتكرر الأسعار في الإرتفاع دون تفسير مقنع للمواطن، تتآكل الثقة شيئا فشيئا، ليس فقط في السوق، بل في المنظومة كلها.

الأخطر من كل ذلك أن الأزمة بدأت تطبع في الذهنية العامة.

لم يعد الغلاء مفاجئا، بل متوقعا.

لم يعد السؤال:

– لماذا ٱرتفع السعر؟

– بل، إلى أين سيصل؟

وهذا التحول من الإستغراب إلى التعود ليس تفصيلا بسيطا، بل علامة على مرحلة ٱجتماعية حساسة، حيث يصبح الألم الإقتصادي جزءا من الروتين اليومي.

 

إن الدولة لا تقاس فقط بمؤشراتها الكبرى أو مشاريعها المعلنة، بل تقاس قبل كل شيء بقدرة مواطنيها على أن يعيشوا يومهم دون ضغط خانق، ودون شعور دائم بأنهم في معركة مفتوحة مع أبسط شروط الحياة.

وعندما يصبح العيش نفسه عبئا يوميا، فإن السؤال لا يعود ٱقتصاديا فقط، بل يتحول إلى سؤال عميق حول معنى العدالة الإجتماعية وجدوى التوازنات القائمة.

والمغرب اليوم، بكل ما يعيشه من تحولات، أمام لحظة صريحة لا تحتمل التأجيل:

– هل يمكن إعادة الإعتبار لحق العيش الكريم كواقع يومي ملموس؟

– أم سيظل المواطن وحده في مواجهة موجة أسعار لا تهدأ، وواقع ٱقتصادي يزداد قسوة مع الوقت؟

Comments (0)
Add Comment