جريدة بيان مراكش/ الصديق أيت يدار
“خطاب لا يليق بالمرحلة ” .
كلما اقتربت الانتخابات، كلما بادر الفاعلون السياسيون إلى تشغيل أسطوانات قديمة تنهل من معجم لغوي رتيب ومتجاوز، يدغدغ المشاعر ويسحق العواطف، وبكثرة تكرارها صارت مملة، ولا تطرب أحدا.
نهاية الأسبوع الماضي كانت صاخبة، بعدما ملأت الأصوات المتشابهة لأكثر من زعيم حزبي المكان، فهذا نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، يخرج عن هدوئه المعتاد ويملأ الدنيا صراخا في لقاء سيدي قاسم، ويقول إنه في حال الفوز في الانتخابات، سيعمل على إحداث شركات وطنية لتوزيع المواد الأساسية، بهدف القطع مع المضاربة والإطاحة بـ”الفراقشية”، فيرد عليه رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد شوكي، بالقول أنه “لا يجب أن نزايد على بعضنا بسياسات من الزمن البعيد في التجارة والتوزيع”.
أما الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، فقد جاء إلى مدينة المحمدية لحضور لقاء لتقديم أحد مرشحي حزبه للانتخابات، فأخذ من “الحولي” مادة دسمة لتوجيه انتقادات للحكومة، لكنه لم يفوت الفرصة دون أن ينثر الكثير من الكلام على سجيته ليدخل في حكاية استمالة الناس من أجل أغراض انتخابية، أما عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، فيواصل مسرحياته “الرديئة”، منذ زمن بعيد، ولن يتوقف عنها حتى تضع الانتخابات أوزارها.
هذه أمثلة ليس إلا، فالقادم من الأيام سيكشف، لا محالة، عن فظاعات أكبر في خطاب رتيب مليء بالوعود، ومن غير المعتقد أنه سيغري الناس، خاصة الجيل الرقمي، الذي يؤمن بالأفعال لا بالأقوال، وبالتالي فلا شيء يبرر استمرار السياسيين في ترديد نفس الكلام، ويجب أن ينتبهوا إلى تشابه خطاباتهم ورتابتها وتراجع قدرة أحزابهم على إنتاج الفعل السياسي والمعنى داخل المشهد العام، خصوصا أن الاستحقاقات القادمة ليست عادية، بل تأتي في سياق وطني مختلف، حيث معدلات البطالة مرتفعة والأسعار ملتهبة وأشياء أخرى، إضافة إلى تطورات الحكم الذاتي، وما يتطلبه من فاعلين سياسيين يفهمون الأبعاد الجيوسياسية لهذا الخيار.
أخطر ما في خطابات الأحزاب السياسية عندما تقترب الانتخابات هي أنها لا تحمل على الأقل مشاريع أجوبة، وتبدو بعيدة كل البعد عن ما يشغل الناس. فالمواطن اليوم يعيش انشغالات معيشية ضاغطة، خصوصا في ظل ظروف اقتصادية صعبة، تحتاج إلى خطاب موضوعي مبني على فرضيات تلامس الواقع، يمكن أن يعيد الثقة ويشجع على الانخراط، فالمواطن مثقل بالهموم لن ينصت إلى خطابات تبدو مستفزة، فهو يحتاج إلى حلول وبرامج عملية.
ما يروج له السياسيون من خطاب لا يكشف فقط عن أزمة وعي وتراجع في النقاش العمومي، بل عن تحول السياسة من ممارسة قيمية نبيلة إلى ممارسة أقرب إلى “حرفة”، مما يجعل من أفق ردم الهوة بين الخطاب الانتخابي والواقع المعيشي مسألة صعبة، لأن الأزمة بنيوية ومتجذرة، وبالتالي فهذا التناقض يؤدي بشكل مباشر إلى تراجع ثقة المواطنين في المؤسسات الحزبية وارتفاع نسب العزوف السياسي، خاصة بين فئة الشباب.
إن الخطابات السياسية ليست مجرد كلمات عابرة تستهلك وتنسى مع انتهاء الحملات الانتخابية، بل هي عقود أخلاقية ومشاريع مجتمعية، وعليه فإن الوعي المجتمعي المتنامي اليوم يحتم تجاوز الخطابات الفضفاضة نحو برامج واقعية، مما يجعل صوت الناخب في صناديق الاقتراع هو الفيصل الحقيقي لمحاسبة الأحزاب السياسية ؛ وتحويل الوعود إلى إنجازات ملموسة تخدم الصالح العام .