حرية الصحافة بين الحق في الإخبار وسوء استعمال القضاء: قراءة قانونية على ضوء متابعة مدير جريدة بيان مراكش

بقلم الدكتور محمد محاسن

هذا مقال من وحي اطلاعي على البيان الصادر عن فيدرالية/كونفدرالية الناشرين بشأن المتابعة القضائية التي طالت مدير جريدة بيان مراكش الإلكترونية.

تُعد حرية الصحافة، وفق الفصلين 25 و28 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011، ركناً جوهرياً في بناء دولة الحق والقانون، وشرطاً لازماً لضمان الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة. ويعزز هذا الحق القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، الذي كرس إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وجعل من حق الوصول إلى المعلومة—المؤطر بالقانون 31.13—آلية دستورية لإنتاج صحافة مهنية حرة، قادرة على تنوير الرأي العام وكشف الاختلالات متى توفرت الحجج والوثائق الإثباتية.

غير أنّ الممارسة الواقعية تكشف عن توجّه مقلق لدى بعض الأطراف المعنية بمضامين المقالات والتحقيقات الصحفية، والمتمثل في اللجوء المباشر إلى القضاء، قبل استنفاد المساطر المنصوص عليها قانوناً، ولاسيما حقّ الجواب وطلب نشر التوضيحات في نفس الجريدة وبنفس شروط الظهور والوضوح، عملاً بالمادتين 15 و22 من قانون الصحافة والنشر. وهو ما يُعدّ انحرافاً عن المقاصد الأصلية للتشريع، ويُفقد القضاء وظيفته الدستورية كملاذ لإنصاف المتضرر الحقيقي، لا أداةً للضغط أو التخويف.

ويزداد هذا السلوك خطورة حين يُستعمل ادعاء “التشهير” كسلاح استباقي لإسكات الصحافة المهنية، رغم وجود قرائن ومستندات ووقائع ذات صلة بالصالح العام، في محاكاة واضحة لاستراتيجية معروفة في فقه المرافعات تحت مسمى: “الهجوم خير وسيلة للدفاع”. وهو نهج يلجأ إليه بعض المتضررين من التحقيقات الصحفية لصرف الأنظار عن جوهر الموضوع، وتعطيل النقاش العام، وتوجيهه نحو المسطرة بدل الحقيقة.

ومن ثَمّ، يصبح على القضاء ممارسة رقابة مضاعفة للتحقق من ثلاثة عناصر أساسية:

1. وجود مصلحة عامة واضحة تبرر النشر.
2. وجود أدلة أو وثائق أو شهادات ذات مصداقية، حتى لو كانت محل جدل.
3. غياب القصد الجنائي أو نية الإضرار المجاني بالغير.

لأن التجريم لا يقوم بمجرد الانزعاج من النشر، أو المساس بصورة من يزاول وظيفة عمومية أو يتحمل مسؤولية تسييرية، فهذه الفئات تتمتع بسلطة ونفوذ يبرران خضوعها لمساءلة صحفية أشد، كما أقرته محاكم دولية وهيئات أممية.

فالصحافي المحترف الحر—ومنهم رئيس تحرير بيان مراكش—لا يخشى المثول أمام القضاء حين يكون مطمئناً إلى مصادره واشتغاله وفق ضوابط المهنية، ولا يقبل الخضوع للضغط أو الابتزاز، لأن رسالته الأخلاقية تنزهه عن تلك المنزلقات. كما أن اللجوء إلى القضاء في حد ذاته ليس مشكلة، بل يصبح كذلك حين يتحول إلى أداة لإرهاب الأقلام وإسكات الحقيقة.

إن تحصين حرية الصحافة لا يعني إطلاق العنان للفوضى الإعلامية أو التجريح الشخصي، بل يستلزم توازناً دقيقاً بين حماية الكرامة الفردية وضمان الحق الجماعي في المعرفة. لكن هذا التوازن يختل عندما يُستعمل القضاء لتصفية الحسابات، أو لتخويف المنابر التي تشتغل على ملفات حساسة تمس المال العام أو التدبير أو النزاهة.

وعليه، فإن مسؤولية حماية حرية الصحافة ليست على عاتق الصحافيين وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة بين القضاء، والفاعلين المؤسساتيين، والمجتمع المدني، والهيئات المهنية للناشرين، حتى لا تتحول المتابعات القضائية إلى أداة ردعية، أو إلى ضريبة تُفرض على كشف الحقيقة.

إن الدفاع عن صحافة مهنية، حرة، مسؤولة، مزودة بالأدلة والوثائق، هو دفاع عن المجتمع قبل أن يكون دفاعاً عن المنابر الإعلامية. وهو صون للدستور، ولحق المواطن في أن يعرف، ولجوهر الديمقراطية الذي يقوم على الشفافية والنقاش العمومي لا على الصمت والخوف.

Comments (0)
Add Comment