بين منطق الدولة ولسان الوزير!…

 

 

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في الدول الرصينة، تقاس الكلمات بميزان الذهب، لأن اللسان حين ينفلت لا يجرح الأفراد فقط، بل يخدش صورة الوطن وهيبته، غير أن تصريح (وزير الصناعة والتجارة) “رياض مزور” الأخير حول المغاربة المقيمين بالخارج، جاء كأنه بيان مرتجل في مقهى، لا خطاب مسؤول في دولة تحسب كلماتها قبل أن تقال.

فبلهجة جافة، أقرب إلى التوبيخ منها إلى الحكمة، ٱختزل الوزير علاقة المغرب بأبنائه المهاجرين في جملة باردة:

«العودة إلى الوطن لا تستحق الإمتنان ولا الهدايا»، وكأن الحديث يدور عن ضيف ثقيل، لا عن ملايين المغاربة الذين حملوا الوطن في قلوبهم قبل جوازات سفرهم، ومولوا ٱقتصاده بتحويلاتهم، ورفعوا ٱسمه بكفاءاتهم في أرقى الجامعات والمؤسسات العالمية.

وإذا كان الوزير يرى الوطن بيتاً عاديا لا يحتاج إلى ترحيب بأبنائه العائدين، فإن خطاب الدولة، كما رسمه أمير المؤمنين، يروي قصة مختلفة تماما، قصة دولة تعتبر مغاربة العالم رافعة ٱستراتيجية لا عبئا عاطفيا.

فقد أكد ملك البلاد في أكثر من خطاب، أن المغاربة المقيمين بالخارج جزء لا يتجزأ من الأمة، وأن كفاءاتهم تشكل رصيدا ثمينا ينبغي ٱستثماره، لا التقليل من شأنه.

بل دعا صراحة إلى تهيئة الظروف الملائمة لعودتهم أو لمساهمتهم في التنمية، ٱنطلاقا من مبدأ الإعتراف، لا من منطق (العادي الذي لا يستحق الذكر).

هنا تتجلى المفارقة الساخرة:

ملك البلاد يتحدث بلغة الدولة العميقة، التي ترى في المهاجر سفيرا غير متوج، وخزانا للخبرة والإستثمار، بينما الوزير يخاطبهم بلغة (المحاسب الغاضب)، كأنهم مطالبون بالعودة صامتين، دون تقدير، ودون حتى كلمة (مرحبا).

 

إن العشوائية في التصريح لا تكمن فقط في فحواه، بل في توقيته وسياقه، فالعالم اليوم يتنافس على ٱستقطاب الكفاءات، ويغري أبناءه بالخارج بالإمتيازات والإعتراف، بينما يخرج مسؤول حكومي ليقول، بٱختصار فج (عودتكم أمر عادي)، وكأن الدول تبنى بالعادية، لا بالطموح والإحترام المتبادل.

ليس المطلوب (هدايا) كما أوحى الوزير، بل خطاب دولة ينسجم مع التوجيهات الملكية، ويدرك أن الكرامة المعنوية أحيانا أثمن من أي تحفيز مادي. فالمهاجر المغربي لا ينتظر بساطا أحمر، لكنه يرفض أن يستقبل ببرود إداري ولسان مستفز.

 

يبدو أن بين خطاب الملك، الذي يفتح الأبواب ويصون الكرامة، وتصريح الوزير، الذي يغلق النوافذ ويكسر المجاديف، يظهر الخلل جليا، أن الدولة تقول شيئا، والوزير يقول نقيضه.

وفي هذا التناقض، لا يخسر المهاجر فقط، بل تخسر صورة المغرب التي بناها ملكه بصبر ورؤية، ويهدمها تصريح واحد غير محسوب.

وهكذا، يصبح السؤال المشروع:

– هل نحن أمام زلة لسان عابرة، أم أمام فهم قاصر لمعنى المسؤولية؟

 

الجواب للأسف، تركه الوزير معلقا… دون ٱمتنان.

Comments (0)
Add Comment