م.س : بيان مراكش
مع إقتراب كل محطة إنتخابية، تدخل الحياة السياسية في مراكش مرحلة غريبة من التحول، حيث تختلط الأدوار وتضيع الحدود بين المسؤول والناقد، و بين الفاعل والمتفرج … فجأة تتحول مواقع التواصل الإجتماعي إلى منصات تعج بخطابات النقد، وتفتح شهية “البوح السياسي” لدى فئة من المنتخبين الذين ظلوا لسنوات، إما صامتين أو منخرطين في نفس الممارسات التي ينتقدونها اليوم.
هذا المشهد لا يمكن وصفه فقط بالمفارقة، بل هو تعبير عن أزمة عميقة في فهم السياسة نفسها، لأن الأصل في الممارسة السياسية هو تحمل المسؤولية ، لا التنصل منها عند أول منعطف إنتخابي. وما يحدث اليوم في مراكش يكشف عن سلوك إنتقائي حين يكون الموقع مريحا، يسود الصمت أو التبرير، وحين تقترب الإنتخابات، يتحول نفس الفاعل إلى ناقد شرس، يوزع الإتهامات وكأنه كان خارج دائرة القرار.
الأخطر في هذا التحول ليس فقط فقدان الإنسجام في المواقف، بل محاولة القفز على الذاكرة الجماعية للمراكشيين، فبعض من يرفعون اليوم سقف النقد، كانوا جزءا من المجلس الجماعي ، شاركوا في دوراته، و صوتوا على قراراته ، أو على الأقل لم يسجلوا مواقف واضحة تعارض ما ينتقدونه اليوم.
ومع ذلك يتحدثون بلغة من إكتشف فجأة شيء من الخلل، وكأنهم لم يكونوا يوما في موقع يمكنهم فيه التأثير أو التغيير، هذا النوع من الخطاب لا يعكس شجاعة سياسية، بل يعكس إرتباكا في تحديد الموقع ، لأن النقد من داخل التجربة يفرض الصراحة قبل كل شيء و ما الذي رفضتموه؟! هل سجلتم مواقف موثقة؟! و هل حاولتم التغيير من الداخل؟! أم أن الصمت كان خيارا إلى أن أصبح غير مجد إنتخابيا من أجل الحصول على تزكية …
في مراكش، لا يتعلق الأمر فقط بأشخاص، بل بنمط سياسي يتكرر مع إقتراب كل إستحقاق ، نمط يقوم على إعادة إنتاج نفس الوجوه، بنفس الأساليب، مع تغيير في الخطاب فقط.
وجوه تتقن فن التكيف مع الظرف، وتجيد الإنتقال السلس بين مواقع متناقضة و من موقع المسؤولية إلى موقع المعارضة، دون المرور بمحطة الإعتراف أو النقد الذاتي.
وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكالات غياب ثقافة الإعتراف… فالسياسي الذي لا يعترف بمسؤوليته في ما وقع، لا يمكن أن يقنع بقدرته على إصلاح ما سيأتي، لأن المصداقية لا تبنى بالشعارات، بل بالتراكم، و بالوضوح وبالقدرة على مواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين.
فمراكش بتاريخها ووزنها، تستحق نقاشا سياسي يرقى إلى مستوى تحدياتها ، لا أن يختزل في معارك رقمية موسمية وبحسابات وهمية تدار من الخلف لتوجيه الرأي العام بدل خدمته.