توفيق مباشر
يشهد محيط جماعة بوزنيقة حالة من الاستنفار الإداري غير المسبوق، بعد تحريك عمالة إقليم بنسليمان لملف المخطط التنظيمي الذي يعود إلى سنة 2019 إبّان فترة الرئيس السابق امحمد كريمين، والذي ظل مركوناً في رفوف الإدارة دون تنفيذ طوال الولاية الماضية.
الخطوة المفاجئة تمثلت في استدعاء لجنة الانتقاء من طرف العمالة، دون إعلان رسمي أو مذكرة تفسيرية من المجلس الجماعي، ما فتح الباب أمام تأويلات وتساؤلات مشروعة حول الخلفيات والأهداف الحقيقية وراء إحياء وثيقة إدارية تجاوزها الزمن، في وقتٍ تتغير فيه بنية الإدارة الجماعية واحتياجاتها بشكل جذري.
تؤكد مصادر من داخل الجماعة أن هذا المخطط أُعدّ في سياق إداري وتنظيمي مختلف تماماً عن الوضع الراهن، مما يجعل تنزيله كما هو اليوم أشبه بإحياء نص قانوني متقادم في واقع مؤسساتي لم يعد يعترف بنفس الأولويات ولا بنفس البنيات البشرية. فجماعة بوزنيقة تعاني حالياً من خصاص واضح في الموارد البشرية وضعف في التجهيزات والوسائل اللوجستيكية، ما يجعل تطبيق مخطط تنظيمي قديم خطوة مرتجلة قد تُعمّق الفوضى بدل إصلاحها، خصوصاً إذا تم بعيداً عن مبدأ المراجعة والتحيين المنصوص عليه في القوانين التنظيمية ذات الصلة.
ما يقلق أكثر هو ما كشفته تسريبات من داخل المصلحة الإدارية من نية توجيه الانتقاء نحو أسماء محددة واستبعاد أخرى أكثر كفاءة، في تجاوزٍ صارخ لمبدأ الاستحقاق والمساواة. بعض الأطر التي راكمت امتيازات غير مبررة خلال السنوات الماضية يُرجَّح أن تكون المستفيد الأكبر من هذه العملية، رغم محدودية عطائها وضعف انضباطها الإداري، بينما تُقصى كفاءات حقيقية تشتغل في صمت وتتفانى في أداء واجبها المهني. وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل يراد من هذا المخطط تصحيح الهيكلة أم إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل الجماعة؟
تطبيقاً لأحكام المرسوم رقم 2.22.580 الصادر في 31 غشت 2022 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا بالإدارات الجماعية، فإن المادة الثانية منه تُلزم السلطات المحلية باحترام مبادئ الاستحقاق والمساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع. كما يؤكد القانون التنظيمي رقم 113.14 في مادته 258 أن رئيس الجماعة وحده هو المختص بالتعيين في هذه المناصب، بقرار يُؤشر عليه من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، مع إمكانية الرجوع فيه عند الإخلال بالشروط أو المسطرة.
غير أن الواقع الميداني يُظهر تناقضاً صارخاً بين النص والتطبيق. فكيف يمكن الحديث عن استحقاق ومساواة، بينما تُمنح مناصب المسؤولية بناءً على الولاء الشخصي أو القرابة الحزبية أو القَبلية؟ بل الأخطر من ذلك، أن بعض الأطر التي يُتداول أنها مرشحة لمناصب حساسة، لا تلتزم بالحضور المنتظم ولا تحترم ضوابط الاستعمال الإداري للممتلكات الجماعية، بما في ذلك السيارات والموارد العمومية.
الدستور المغربي في فصله الأول ينص على أن التنظيم الترابي للمملكة يقوم على مبادئ التدبير الحر والمحاسبة وربط المسؤولية بالمساءلة، وهي مبادئ تُجسَّد في شعار الشفافية والنجاعة. لكن ما يحدث اليوم في بوزنيقة يُنذر بانحرافٍ خطير عن هذه القيم، حيث تُستغل مساطر التعيين لتصفية حسابات داخلية أو لتوزيع المناصب كغنائم إدارية، في ضربٍ لمبدأ الحياد المهني الذي يجب أن يُؤطر كل تدبير إداري محلي.
الرئيس الحالي طارق الخياري يجد نفسه اليوم أمام امتحان دقيق: إما أن يُفعّل الإصلاح الإداري بشجاعة في إطار من الشفافية والمساواة، أو أن يُتهم بالتواطؤ مع واقع إداري مهترئ كرّس لسنوات من الزبونية والمحسوبية. فالرهان الحقيقي لا يكمن في تفعيل وثيقة هيكلية قديمة، بل في بناء رؤية تنظيمية جديدة تنطلق من تقييم موضوعي للكفاءات، وإعادة توزيع المهام وفق منطق الجدارة لا الولاء.
إن ما يجري في جماعة بوزنيقة اليوم ليس تفصيلاً إدارياً عابراً، بل صراع حول طبيعة السلطة داخل الإدارة الجماعية. فالمخطط التنظيمي المؤجل منذ 2019 لم يكن غائباً عبثاً، بل لأن تفعيله كان يعني إعادة رسم خريطة النفوذ الإداري داخل الجماعة، وهو ما لم يكن مرغوباً فيه من بعض الأطراف. جماعة بوزنيقة اليوم لا تحتاج إلى Organigramme بقدر ما تحتاج إلى إرادة تنظيمية جديدة تعيد الاعتبار للكفاءة، وتُنهي زمن التوازنات الهشة والمصالح الضيقة. فالإصلاح الإداري لا يُقاس بعدد المناصب، بل بقدرة المؤسسة على تحقيق العدالة التنظيمية وخدمة الصالح العام. ولأن المرفق الجماعي ملك للمواطنين، فإن كل انحرافٍ في تسييره هو إساءة مباشرة للدستور ولمفهوم الحكامة الترابية التي تقوم عليها دولة الحق والقانون.