✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في بلاد تُجلد فيها العقول ويُكرم فيها الجهل ، وُلد المرحوم بإذن الله تعالى” المهدي المنجرة “، لا ليعيش مطمئنا… بل ليُطارَد فكريا حتى وفاته!
رجل سبق زمانه ، فرفضه أهل الزمان!!
عالم ٱستثنائي ، ٱختار أن يُفكر ، فٱختاروا أن يُسكتوه!!!
في وطنه ، كانت تهمته أنه قال الحقيقة مبكرا!
وفي الخارج ، كانت ميزته أنه قالها بشجاعة!!
” المهدي المنجرة ” ، لم يكن مثقفا من أولئك الذين يُربّون لحاهم على مقاس السلطة ، ولا ممن يحفظون التوازن بين الكذب والنفاق في ٱستوديوهات التلفزيون.
كان مشروعا متكاملا:
«باحث ، مفكر ، مستقبلي ، مناضل صامد ضد الرداءة ، ضد الإستعمار الناعم ، وضد ٱنبطاح النخب…».
سافر ليتعلم ، وعاد ليُعلّم ، لكنه ما إن نطق حتى ٱنهالت عليه المقصلة: «محاضرات تُلغى ، دعوات تُسحب ، ومنابر تُغلق ، بل إن كتبه التي تُدرّس في جامعات طوكيو وكامبريدج وهارفارد ، تُمنع من العرض في معارض الكتاب بالمغرب ، لا لشيء ، إلا لأنها كانت تقول شيئًا!!!».
لقد ٱختار ” المنجرة ” أن يُزعج فٱختاروا إقصاءه.
لم يكن في (خدمة الأجندة) ، بل في خدمة الوعي ، وذاك جرم لا يُغتفر.
وفي الوقت الذي كان فيه المغرب يُفرّغ نفسه من مفكريه ، كان الغرب يُعيد ملء خزاناته بهم.
فالرجل الذي مُنع من إلقاء محاضرة في جامعة مغربية ، كان يُستقبل في الأمم المتحدة كمستشار ، ويُحاضر في جامعات اليابان وكوريا الجنوبية ، ويُشارك في رسم سياسات إعلامية وتنموية لدول لا تزال اليوم تسبقنا بأجيال.
لقد ٱحتضنوه لأنهم أدركوا ما لم نُدركه:
«أن الأفكار لا تُقمع ، بل تُستثمر».
اليابان ٱستدعته لتأطير استراتيجياتها التربوية ، وكوريا الجنوبية طلبت رأيه في بناء قوتها الناعمة ، والدول الإسكندنافية ٱعتمدت رؤيته في إصلاح منظومة الإعلام ، بينما المغرب… كان يناقش ما إذا كان (الدارجة) تصلح لتدريس العلوم ، أي مفارقة هذه؟!
الغرب لم يكن أذكى منّا ، لكنه فقط ٱحترم الفكر… بينما نحن طالبناه بالسكوت مقابل الإحترام.
ثم مات،
مات في صمتٍ فاضح… لا جنازة رسمية ، لا إعلان وطني ، لا قناة ترحّمت عليه ، لا صحيفة ٱعتذرت له…
وكأن الوطن ٱرتاح أخيرًا من إزعاجه.
دفنوا جسده في التراب ، وظنّوا أنهم دفنوا فكره.
لكن أفكاره ، كتبه ، صرخاته المكتوبة ، لا تزال اليوم تصفعنا كلما نظرنا في مرآة التخلف.
– هل تعرفون ما الذي خسرناه حين تجاهلناه؟
خسرنا فرصة أن نكون شيئًا ، أن نبني تعليما لا يهين ذكاء الأطفال ، أن نمتلك إعلاما لا يعيد تدوير السفاهة. أن نصبح دولة بمفهوم المستقبل ، لا قبيلة تنظم الإنتخابات.
بينما طبّق الغرب أفكاره فتقدّم ، ركلناه نحن فٱنهارت منظوماتنا تباعا: «التعليم ، الصحة ، الثقافة ، الوعي ، الكرامة».
نعم ، لقد تجاهلنا “المهدي المنجرة” رحمه الله ، لكن الأسوأ أننا ما زلنا نتجاهل أمثاله… ونستورد المفاهيم معلبة ، كما نستورد الحليب والدقيق.
تُرى ،
– هل كان سيعاملونه بهذه الطريقة لو غيّر ٱسمه إلى “مهدي ستيفنسون” وٱدّعى أنه أمريكي؟
ربما كان ليصبح وزيرا أو على الأقل يحصل على جائزة وطنية بٱسم من أهانوه بالأمس.
لقد كان جريمة فكرية كاملة الأركان. لا لأننا قتَلناه ، بل لأننا لم نقرأه.
فلتنام أيها “المهدي” بسلام.
أما نحن ، فسنواصل الإستيقاظ يوميا على ما حذّرتنا منه…
لكن بعد فوات الأوان.