الملاكمة المغربية… حين يصنع الأبطال المجد، وتغتاله أيادي الفساد!….

 

 

✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

 

في زمن تُقاس فيه قيمة الرياضي بعدد الألقاب والميداليات، هناك رجال يصنعون المجد بالعرق والصبر، لا بالمنح ولا بالرعاية الرسمية التي تذوب في مستنقعات الفساد الرياضي.

ومن هؤلاء، يبرز اسم المدرب الوطني المتألق “يوسف لبويطة”.

ٱبن المدينة الحمراء، وبطل الجيش الملكي السابق، الذي أوقف حياته لتربية أبطال الملاكمة، واليوم يقود “النادي المحمدي” نحو قمم جديدة من الإنتصارات.

هذا الموسم، وأمام عدسات بطولة المغرب، أثبت “لبويطة” أنه ليس مجرد مدرب، بل صانع أبطال حقيقي، حين نجح ثلاثة من ملاكميه في التأهل إلى نهائي بطولة المغرب للكبار، حيث تألق “مصطفى الغرابي” بضربة قاضية، وفرض “يوسف أضعيف” نفسه ببراعة منذ الجولة الأولى، فيما أنهى “مروان الطيوري” نزاله في الجولة الثانية بحزم وٱحتراف.

إنجاز لم يأتِ بالصدفة، بل وُلد من رحم الحنكة الفنية والإنضباط الحديدي، ومن رؤية ترى في كل ملاكم مشروع بطل عالمي.

 

ومن بين هؤلاء الأبطال، يلمع اسم “مصطفى الغرابي”، صاحب المهارة والتقنية الرفيعة، الذي حمل ألوان المنتخب الوطني ذات يوم… ويقف اليوم على أعتاب العالمية، لكن حواجز الإهمال وغياب الدعم المادي والنفسي تكبّله، شأنه شأن مئات المواهب في مختلف ربوع الوطن!

 

المأساة أن ما يعيشه هؤلاء ليس ٱستثناءً، بل هو القاعدة في الملاكمة المغربية!!

فرغم أن (الجامعة الملكية المغربية للملاكمة) تتلقى دعماً سخياً من الوزارة الوصية ومن اللجنة الأولمبية، إلا أن الدعم يتبخر قبل أن يصل إلى الأبطال، ويُبتلع في بطون الفساد الرياضي، تاركا الموهوبين بين خيارين أحلاهما مرّ:

«ٱعتزال مبكر أو انكسار صامت».

 

فالتقارير المالية الرسمية تشير إلى أن الجامعة حققت فائضاً مالياً قدره (19.5 مليون درهم) بين 2017 و2021، أي ما يعادل (ملياراً و950 مليون سنتيم).

بينما بلغ الفائض في الفترة السابقة 2012–2017 نحو (5.5 مليون درهم فقط)، رغم أن مجموع المداخيل تجاوز (20 مليون درهم)، أغلبها من منح الوزارة التي تراوحت بين (9 و18 مليون درهم)، إضافة إلى مداخيل الإستشهار والإشتراكات والمعسكرات.

كما ٱرتفعت ميزانية الجامعة من (60 مليون سنتيم) إلى حوالي (3 مليارات سنتيم)، منها (1.1 مليار سنتيم) موجهة للمنتخبات الوطنية بجميع فئاتها، وفق تصريحات مديرها الإداري.

 

لكن من داخل الوسط، تبرز شهادات وٱتهامات أكثر حدة… إذ تُظهر المعطيات أن مبلغ (500 ألف درهم) رُصد لتطوير الملاكمة النسوية، لكن النشاطات الملموسة لم تتجاوز مباريات قليلة، فيما خُصص (80 مليون سنتيم) لإنشاء 10 مدارس للملاكمة، ولم يُنجز منها سوى مدرستين فقط، إحداهما ضمن برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بينما بقيت البقية حبيسة الوعود!!!

 

هذه الأرقام فجرت خلافات حادة وصلت إلى القضاء، حيث طالب معارضون بفتح تحقيق ومحاسبة واضحة حول مصير هذه الأموال، متهمين الجامعة بعدم الشفافية في التدبير، ومشيرين إلى أن ما يُعلن على الورق لا يجد طريقه إلى الواقع.

 

وإذا كان المنتخب المغربي للملاكمة قد أحرز في السنوات الأخيرة ألقاباً قارية وعالمية، مثل صدارته لبطولة إفريقيا (كنشاسا 2024) بعشر ذهبيات وثماني فضيات وثلاث نحاسيات، وفوز البطلة “وداد برطال” بالذهب في بطولة العالم (صربيا 2025) إلى جانب برونزية “حسناء لارتي” وتتويج “أميمة السملالي” كأفضل حكمة، فإن هذه الإنجازات تحققت بفضل عزيمة الرياضيين وجهود مدربين مخلصين، أكثر مما تحققت بفضل منظومة دعم مؤسساتية متينة.

 

إنها الحكاية المؤلمة لرياضة النبلاء في المغرب، حيث تُهزم المواهب خارج الحلبة قبل أن تخوض نزالها، ويُغتال المجد على يد منظومة عرجاء تعيش على المحسوبية والولاءات…

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه:

– إلى متى سيظل أبطالنا يسقطون خصومهم في الحلبات، ثم يسقطهم الفساد خارجها؟!

Comments (0)
Add Comment