متابعة : حامد الزيدوحي
حين تتكلّم الكلمة ويُزهر الحرف في مدينة النور .
بقلم : هشام أيت شمان
باحث ثقافي
في مدينةٍ يتعانق فيها الجبل مع الصحراء، وتنساب فيها خيوط الضوء على أسوار القصبات العتيقة، وتهبّ نسائم الجنوب حاملة عبق التاريخ وروح الأصالة، وُلدت من جديد الدورة الثانية عشرة من الصالون الأدبي بورزازات، لتعلن أن الثقافة ليست ترفاً موسمياً، بل هي نبض حياةٍ وروح وطنٍ لا تنطفئ.
دورة حملت شعار “إشعاع الأدب وعمق الذاكرة”، فكانت أكثر من مجرد ملتقى أدبي؛ كانت احتفاءً بالإنسان قبل النص، ووفاءً للذاكرة قبل الورق، واستحضاراً لجمال مدينةٍ لا تزال تحرس الحلم والضوء في قلب الجنوب المغربي.
الصالون الذي تنظمه جمعية القصبة للتربية والثقافة والفنون، بدعمٍ من جمعية ورزازات إيفنتس، وبتعاونٍ مع المديرية الإقليمية لوزارة الشباب والثقافة والتواصل بورزازات، وبرعايةٍ معنوية من وجوهٍ وطنية آمنت أن الأدب رسالة إنسانية، جمع بين المتعة الفكرية والدهشة الجمالية في توليفةٍ فريدةٍ جعلت من ورزازات وجهةً للحوار والتلاقي الثقافي.
—
🌅 لحظة الافتتاح.. حين تلتقي القلوب قبل الكلمات
منذ اللحظة الأولى، شعر الحاضرون أن شيئاً استثنائياً يولد من رحم الورق والحنين.
في القاعة التي غمرها عبق الكتب وصور الأدباء، لم تكن المقاعد سوى قلوبٍ متجاورة تتبادل النور قبل الكلمات.
وقف الجميع احتراماً للثقافة، ولتلك الذاكرة التي حفظت للمدينة إشراقها رغم تعاقب الزمن.
افتُتحت الدورة بكلماتٍ دافئة للأستاذ إبراهيم مازوز، رئيس جمعية القصبة، الذي أكد أن “الثقافة ليست موسماً بل مساراً”، وتلاه الأستاذ إسماعيل الوعرابي، ويوسف بيخبيان الذي ذكّر بأن الأدب في ورزازات ليس نشاطاً عابراً، بل امتداد لتاريخٍ طويل من العطاء والوفاء.
كانت لحظة الافتتاح بمثابة إعلان ولادة جديدة لمدينةٍ تقرأ وتكتب وتؤمن أن الإبداع هو وجهٌ آخر للحياة.
—
🪶 الأدباء.. ضوء الفكر وذاكرة الحرف
في فقرة “في ضيافة أديب”، تحوّلت المنصة إلى منبر للفكر والنقاش الراقي، حيث اجتمع ثلاثة من أعمدة الأدب والفكر المغربي:
الدكتور مولاي مأمون المريني: أدهش الحضور بتحليلٍ عميقٍ لقصة أهل الكهف وسر الأرقام، حيث التقت الفلسفة بالتأمل الروحي في حوارٍ ساحرٍ بين العقل والإيمان.
الدكتور فيصل الشرّايبي: أبحر بالحاضرين في رحلةٍ عبر الزمان والمكان ليتحدث عن تطور الثقافة الأنجلوساكسونية في إفريقيا، مستحضراً قيم التلاقح الحضاري.
الأستاذ بن المأمون الحسين: قدّم قراءات نقدية وشعرية ثرية عن المختارات الشعرية العربية بين الثابت والمتحوّل، مستنهضاً ذاكرة القصيدة العربية وأسرار خلودها.
أدار الجلسة الدكتور مصطفى أفقير بكفاءةٍ عالية، جمع فيها بين عمق السؤال وجمالية الحضور، لتتحول الجلسة إلى درسٍ في الفكر والجمال معاً.
—
📺 الإعلاميون.. حين يصبح الصوت رسالة والنور التزاماً
في لحظةٍ مفعمة بالاحترام، استقبل الصالون الإعلامي الدكتور عبد العالي الدمياني، الذي قدّم شهادة صادقة في معنى أن تكون الكلمة مسؤولية لا مجرد مهنة.
بجواره، جلس الفنان أحمد بوعروة، الذي تحدّث بصدقٍ عن تجربته الطويلة في المسرح والتلفزيون، مؤكداً أن الفن لا يعيش إلا بالصدق، وأن المسرح هو “مدرسة الإنسان”.
امتزجت في تلك الجلسة روح الإعلام برسالة الفن، لتبعث من ورزازات نداءً واضحاً: أن الكلمة ما تزال قادرة على التغيير متى نُطقت بحبٍ وصدقٍ وإيمان.
—
🌾 الشعر والقصة.. حين تتكلم اللغة بلسان الوجدان
ليالي الصالون كانت سهرات على ضوء القصيدة.
توالت الأصوات الشعرية والقصصية من مختلف ربوع الوطن، فكان الحرف يرقص، والصمت يصغي.
من بين الأسماء التي أبهرت الحضور:
عبد الله المنقي، إبراهيم فازو، مصطفى كليتي، إدريس الملياني، عبد الحق بن حرمون، مريم طواف، ليلى بارع، وكريمة دلباس.
كل واحد منهم حمل تجربةً مختلفة، لكنهم جميعاً اجتمعوا على حب الكلمة، والإيمان أن الشعر وطنٌ يسكننا جميعاً.
—
🎭 الفنانون.. حين تتكلم الألوان بلغة الحرف
لم يغب الفن التشكيلي عن الصالون، إذ أضفى الفنانان حسن شيكار ومحمد الزاكي لمسة بصرية ساحرة، جعلا من الفضاء معرضاً مفتوحاً تتنفس فيه الألوان.
كان الجمهور يتأمل لوحاتٍ تحكي وجع الصمت، وفرح الضوء، وذاكرة الجنوب التي لا تنطفئ.
—
🧩 الورشات.. مدرسة الحكاية والصورة
في جناح الورشات، وُلدت لحظات تربوية مبدعة.
أبدعت أمينة الأنصاري في ورشة الحكاية الشعبية، فجمعت الأطفال والكهول حول دفء السرد المغربي الأصيل.
أما محمد الحافظي فقد قدّم ورشة “قراءة الصورة”، حيث تعلّم المشاركون كيف تصبح الصورة نصاً، وكيف يختبئ الجمال في التفاصيل الصغيرة.
وخُصّصت فقرة مؤثرة لتكريم روح الراحل محمد أقباب، أحد المبدعين الذين تركوا بصمتهم في تاريخ الصالون.
—
🪶 أصدقاء الصالون.. الذاكرة التي لا تُنسى
الصالون لا يقوم على الأسماء فقط، بل على القلوب التي رافقته منذ بدايته.
حضر شعراء وأدباء من أصدقاء الصالون:
إسماعيل الوعرابي، إدريس الرقيبي، موحي ملال، عبد اللطيف مكاوي، عبد الحكيم تكنوين، الطيب الهبابطة، وقاسم الأنصاري.
كانت أمسية الوفاء لهم أجمل لحظة في البرنامج، حيث اختلط الشعر بالدمع، والكلمة بالحنين.
—
🌱 وجوه جديدة وأمل متجدد
تميّزت هذه الدورة بانضمام وجوه أدبية وفنية جديدة شاركت لأول مرة في فعاليات الصالون الأدبي بورزازات، مما أضفى على الحدث روحاً متجددة ونَفَساً مختلفاً.
من بين هذه الأسماء التي أثرت الفضاء بكلماتها وتجاربها:
محمد أبو مضاء، الجعفري فاتحة، فاطمة الرحموني، ومحمد دهي.
مشاركتهم الأولى كانت بمثابة جسر جديد للتعارف والإبداع، ورسالة تؤكد أن الصالون الأدبي فضاء مفتوح أمام كل الأقلام التي تحمل شغف الكلمة وحب ورزازات.
—
💪 فريق العمل.. الجنود المجهولون
وراء كل نجاحٍ، هناك وجوه تعمل في الظل وتؤمن أن الثقافة واجب وطني.
ضمّ فريق الصالون الأدبي نخبة من الأسماء الوفية:
يوسف بوخيان، عمر نجا، عبد الدين تستيفت، إبراهيم مازوز، محمد واكدال، محمد الحافظي، حفيظة الرمسالي، مصطفى يبسيس، مصطفى تفرديت، ورشيد ساعدي.
هم الذين جعلوا من التنظيم لوحةً من الانسجام والتفاني.
—
🌟 لحظات لا تُنسى
ما يميّز الصالون الأدبي بورزازات هو الدفء الإنساني الذي يملأ القاعة قبل أي برنامج أو فقرة.
كانت الأحاديث بين المشاركين تمتد خارج الجلسات، إلى المقاهي والطرقات وأروقة المدينة.
ضحك، نقاش، حنين، واسترجاع لذكريات من رحلوا وبقوا بيننا بكلماتهم.
—
✨ كلمة ختام
لقد أثبتت هذه الدورة أن ورزازات ليست فقط عاصمة السينما، بل أيضاً عاصمة الحرف والفكر والوجدان.
مدينةٌ تعرف كيف تحوّل الضوء إلى معنى، والكلمة إلى جسرٍ بين الناس.
من رحم الجمال وهدوء الجنوب، خرج هذا الصالون ليقول للعالم:
> “الكلمة باقية، والذاكرة لا تموت، ما دام هناك من يكتب ويؤمن أن الأدب حياة.”
—
✍️ بقلم: هشام آيت شمان
ورزازات – باحث ثقافي
#الصالون_الأدبي_بورزازات