الزجل بوصفه شهادة تاريخية واحتجاجًا ثقافيًا:  قراءة نقدية في قصيدة «ثلاث دمعات» للشاعر ابوالغضب نصرالدين خيامي.

 

 

بقلم الكاتب والمسرحي / خالد شريف

 

مقدمة

 

تندرج قصيدة «ثلاثة دمعات» لزجال المغربي نصرالدين خيامي الملقب بأبوالغضب ضمن الزجل المغربي المعاصر الذي تجاوز الوظيفة التعبيرية البسيطة، ليغدو أداة مساءلة ثقافية وتاريخية وجمالية. فالقصيدة لا تكتفي باستحضار العاطفة، بل تبني خطابًا نقديًا مركبًا يستنطق واقع المدينة (أزمور)، ووضع الزجل، ومآلات المثقف، من خلال بنية دمعية ثلاثية تشتغل كإطار رمزي وسردي في آن واحد.

 

تطرح القصيدة إشكالية مركزية يمكن صياغتها على النحو الآتي:

كيف يتحول الزجل من تعبير ذاتي إلى شهادة تاريخية وصرخة احتجاج ضد التهميش الثقافي والعبث النقدي؟

 

أولًا: البنية الدمعية بوصفها إطارًا دلاليًا

يقسم الشاعر نصه إلى ثلاث وحدات كبرى:

دمعة واحدة

دمعة جوج

دمعة ثالثة

 

وهذا التقسيم ليس اعتباطيًا، بل ينهض بوظيفة بنيوية ودلالية:

 

1. الدمعة الأولى: تمثل لحظة السؤال والدهشة، حيث يواجه الشاعر واقع الزجل المعاصر وما آلت إليه حاله.

 

2. الدمعة الثانية: تمثل لحظة الاتهام والمساءلة، وفيها يتصاعد الخطاب الاحتجاجي.

 

3. الدمعة الثالثة: تمثل الانكسار الجماعي والوعي المأساوي، حيث تتداخل ذات الشاعر مع ذات المدينة والتاريخ.

الدمعة هنا ليست مجرد انفعال، بل وحدة سردية تحمل موقفًا ومعرفة.

 

ثانيًا: الزجل بين الأصالة والتشويه

يُفصح النص عن توتر حاد بين زجلٍ أصيلٍ متجذر في الذاكرة الشعبية، وزجلٍ «مُشَوَّه» فاقد للروح، كما يتجلى في قوله:

> آش جاب زجل الفرنسوية

كان عليك تسول هل البلاد

بل ابداع بلا دنوب

راه مرگد زجل

سيدي عبدالرحمن المجدوب

يستدعي الشاعر سيدي عبد الرحمن المجدوب بوصفه رمزًا للزجل المؤسس، مقابل زجل دخيل فاقد للشرعية الثقافية.

هنا يتحول المجدوب إلى مرجعية أخلاقية وجمالية، ويغدو الزجل سؤال هوية لا مجرد شكل لغوي.

 

ثالثًا: المثقف والزجال بين الصمت والمسؤولية

تُعد إحالات الشاعر على أسماء مثل عبد الله العروي وبوشعيب الرداد من أبرز لحظات النص إشكاليًا، إذ لا تأتي بوصفها تكريمًا، بل بوصفها مساءلة للمثقف:

> نتا اللي خصك تدوي

نتا اللي خصك تضحك

نتا اللي خصك تبكي

المثقف هنا مدعو إلى الخروج من برج التنظير إلى فضاء المعاناة الحية.

ويكشف هذا المقطع عن تصور أخلاقي للثقافة، حيث يصبح الصمت شكلًا من أشكال التواطؤ.

 

رابعًا: أزمور بوصفها ذاتًا جريحة

ليست أزمور مجرد مكان في القصيدة، بل تتحول إلى كائن حي يبكي ويتألم:

> مسكينة أزمور تشهگ المداد

إن تشخيص المدينة يمنحها بعدًا تراجيديًا، ويجعلها مرآة لانكسار الثقافة والزجل والتاريخ.

فالمدينة تُداس:

> يا أزمور يا وريدة

دحسوها الدحاس

وهو تعبير يجمع بين القسوة الجسدية والرمزية، في إحالة على التهميش والإقصاء.

 

خامسًا: اللغة الزجلية بين الفوضى والوعي

 

تعتمد القصيدة لغة زجلية كثيفة، مشحونة بالتكرار، الاستفهام، والنداء، مما يعكس حالة الاختناق الوجودي.

ويبرز ما يمكن تسميته بـالتشظي اللغوي المقصود:

> كلام خاوي

كلام بوهالي

هذا التشظي لا يدل على ضعف لغوي، بل على وعي نقدي يفضح خواء الخطاب السائد.

 

خاتمة …

تُعد قصيدة «ثلاثة دمعات» نصًا زجليًا احتجاجيًا بامتياز، ينهض على تقاطع الذاتي والجماعي، واللغوي والتاريخي، والجمالي والسياسي.

لقد نجح الشاعر أبو الغضب في تحويل الدمع من علامة ضعف إلى أداة معرفة، ومن البكاء إلى فعل مقاومة.

إنها قصيدة لا تُقرأ فقط، بل تُساءل، وتضع القارئ أمام مسؤولية الفهم والموقف، وتؤكد أن الزجل، حين يكون صادقًا، يمكنه أن يكون تاريخًا موازيًا وصوتًا لمن لا صوت لهم.

Comments (0)
Add Comment