عبد العزيز اللاجي-
في عالم يتزايد فيه الترابط بين الاقتصادات والأسواق، لم تعد الحروب مجرد صراعات عسكرية محصورة في جغرافيا محددة، بل تحولت إلى أحداث ذات تداعيات اقتصادية عالمية. فما إن تندلع مواجهة في منطقة استراتيجية حتى تمتد آثارها بسرعة إلى أسعار الطاقة، والأسواق المالية، وحركة التجارة الدولية. والحرب الدائرة اليوم ضد إيران، في ظل المواجهة المفتوحة بينها وبين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، تعيد التذكير بهذه الحقيقة: أن الصراعات الكبرى لا تتوقف عند حدود الدول المتحاربة، بل تدفع دولا بعيدة جغرافيا ثمنها الاقتصادي.
المغرب، بحكم انفتاح اقتصاده وارتباطه الوثيق بالأسواق الدولية، ليس بمنأى عن هذه التداعيات. فالأزمة التي تتصاعد في الشرق الأوسط قد تتحول سريعا إلى تحديات اقتصادية داخلية تبدأ من ارتفاع أسعار الطاقة ولا تنتهي عند تقلبات الأسواق المالية.
أولى هذه التداعيات تظهر عادة في أسواق الطاقة العالمية. فكل توتر في منطقة الشرق الأوسط ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، نظرا للمكانة الاستراتيجية التي تحتلها هذه المنطقة في سوق الطاقة العالمي. ويزداد القلق الدولي مع الحديث عن احتمال تأثر الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
وبالنسبة للمغرب، الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، فإن ارتفاع أسعار النفط يمثل ضغطا مباشراً على الاقتصاد الوطني. فكل زيادة في سعر البرميل تعني ارتفاع فاتورة الطاقة التي تتحملها البلاد، وهو ما ينعكس على الميزان التجاري وعلى ميزانية الدولة.
لكن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لا يتوقف عند حدود الحسابات الاقتصادية للدولة. فهو يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين. إذ يؤدي ارتفاع تكلفة الطاقة إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج الصناعي والزراعي، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع والخدمات. ومع مرور الوقت، يتحول ذلك إلى ضغط إضافي على القدرة الشرائية للأسر المغربية.
ولا تقتصر تداعيات الصراع على الطاقة وحدها، بل تمتد أيضا إلى الأسواق المالية. فالتوترات الجيوسياسية تخلق عادة مناخا من القلق وعدم اليقين لدى المستثمرين، الذين يميلون في مثل هذه الظروف إلى تقليص المخاطر وتحويل استثماراتهم نحو الأصول الأكثر أمانا.
وفي هذا السياق، برزت بورصة الدار البيضاء كأحد المؤشرات المباشرة على تأثير التوترات الدولية. فقد سجلت السوق المالية المغربية خلال جلسة الأربعاء تراجعا قويا وغير متوقع، حيث خسر المؤشر الرئيسي للسوق “مازي” نسبة مهمة من قيمته في ظرف وجيز، نتيجة موجة بيع واسعة شملت عددا من الأسهم القيادية.
ويرى محللون أن هذا التراجع يعود أساسا إلى حالة القلق التي يعيشها المستثمرون بسبب التطورات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط. ففي مثل هذه الأجواء، يميل المستثمرون إلى تقليص انكشافهم على الأسواق الناشئة، والبحث عن ملاذات أكثر أمانا مثل الذهب أو السندات الحكومية.
كما ساهمت عوامل أخرى في تعميق هذا التراجع، من بينها ضعف السيولة في السوق وتحركات بعض المستثمرين المؤسساتيين لإعادة ترتيب محافظهم الاستثمارية في ظل مناخ دولي يتسم بارتفاع المخاطر.
وإذا استمرت حالة التوتر الدولي، فإن الأسواق المالية المغربية قد تبقى عرضة لتقلبات إضافية خلال الفترة المقبلة، خاصة أن الأسواق الناشئة تكون عادة أكثر حساسية للصدمات الخارجية.
إلى جانب ذلك، يمكن للحروب أن تؤثر أيضا على سلاسل الإمداد العالمية. فالتوتر العسكري في منطقة الخليج قد يربك حركة النقل البحري ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما قد ينعكس على أسعار العديد من السلع في الأسواق العالمية.
وبالنسبة للمغرب، الذي يعتمد على استيراد عدد كبير من المواد الأولية والمنتجات الصناعية، فإن مثل هذه الاضطرابات قد تزيد من كلفة الاستيراد وتخلق ضغوطا إضافية على الاقتصاد المحلي.
ورغم هذه التحديات، فإن الأزمات الدولية قد تحمل أحيانا فرصا لبعض الاقتصادات. فالدول التي تتمتع بالاستقرار السياسي والمؤسساتي يمكن أن تتحول إلى وجهة بديلة للاستثمارات التي تبحث عن بيئة أكثر أمانا.
وفي هذا السياق، قد يستفيد المغرب من موقعه الجغرافي القريب من أوروبا ومن الاستثمارات الكبيرة التي قام بها في بنيته التحتية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في مجالات الصناعة والطاقة المتجددة.
كما أن تكرار الأزمات المرتبطة بالطاقة قد يدفع العالم إلى تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة، وهو المجال الذي راهن عليه المغرب مبكرا من خلال مشاريع كبرى للطاقة الشمسية والريحية.
ومع ذلك، فإن الرسالة الأهم التي تحملها هذه الأزمة هي أن الاقتصاد العالمي أصبح شديد الترابط. فقرار عسكري في الشرق الأوسط يمكن أن ينعكس سريعا على أسعار الوقود في المغرب، وعلى استقرار الأسواق المالية، وعلى تكلفة الإنتاج في المصانع، بل وحتى على أسعار السلع في الأسواق المحلية.
لهذا السبب، لم يعد الاستقرار الدولي مجرد قضية سياسية أو دبلوماسية، بل أصبح أيضا شرطا أساسيا للاستقرار الاقتصادي.
فالحروب الحديثة لم تعد تخاض فقط في ساحات المعارك، بل تمتد آثارها إلى البورصات والموانئ والمصانع في مختلف أنحاء العالم. وفي عالم كهذا، قد تكون المسافة الجغرافية بعيدة عن ساحة الحرب، لكن المسافة الاقتصادية أصبحت أقصر بكثير.