بقلم: الكاتب الصحفي
[ذ.هشام الدكاني]
الجوع الذي يعانيه سكان غزة اليوم ليس كارثة طبيعية، بل هو قرار ٱستراتيجي ممنهج، جريمة بشعة في قلب القرن الحادي والعشرين.
لقد أصبح الجوع سلاح ٱحتلالي، يُستخدم لتدمير مجتمع بكامله بهدوء وفعالية، دون قصف مباشر، لكن بقصف حرمان متقن، خالٍ من الرحمة.
في عام 2025، كشفت تقارير حديثة أن وكالة (كوغات) الإسرائيلية كانت ترى منذ سنوات نطاق السعرات الحرارية الضرورية (2279 سعرة حرارية يوميا للشخص)، وكيفية تقييد المساعدات بدرجة أقل بكثير، ما أدى إلى دخول “غزة” في مجاعة رسمية، غير طبيعية، بل مصممة!
بين [مارس ويونيو 2025]، دخل إلى “غزة” أقل من ربع الإحتياجات الغذائية اللازمة، رغم أن هذه الكمية كانت تقل بالفعل عن الحد الأدنى المطلوب.
هذا الجوع المبرمج يُفترض أن يدمر الأمل، يكسر الرجال والنساء، يكسر الثقافات، ويجعل الأجيال المقبلة أكثر قبولا بالخضوع كواقع مقنع!! والمساعدات القليلة التي تصل، ليست لتخفيف المعاناة، بل لتلطيف الصورة أمام الرأي العام العالمي (غطاء أسود يخفي جريمة شنعاء)!!!
تقرير «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي» (IPC)، الصادر في يوليو 2025، أكد أن أكثر من نصف مليون شخص في “غزة” يعيشون بالفعل في ظروف شبيهة بالمجاعة، محذرا من أن الجوع هنا يُستخدم كسلاح حرب، والضحايا الرئيسيون هم الأطفال والنساء.
شهادات ميدانية من الطواقم الطبية بغزة تصف المأساة بعبارات مؤلمة… *طبيب في مستشفى الشفاء قال:
«نستقبل أطفالا لا يتجاوز وزن بعضهم نصف المعدل الطبيعي لأعمارهم، بعضهم يموت بين أيدينا فقط لأنه لم يجد حليباً أو رغيف خبز».
*ممرضة في خان يونس أضافت:
«الأمهات يبكين يوميا، لا بسبب القصف فقط، بل لأنهن لا يجدن شيئا يضعنه في أفواه أطفالهن سوى الماء».
لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن الإنتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة ٱعتبرت أن:
«حرمان المدنيين من الغذاء والماء يشكل جريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية إن تم استخدامه كسلاح متعمد».
ليس هذا حديثا عصريا فقط، التاريخ المثقوب بآلام الشعوب يشهد لنا!
ففي الهند البريطانية عام 1943، تسبب مزيج من سياسات استعمارية مدمّرة، من تشريد زراعي إلى إخفاء المجاعة إعلاميًا، إلى دعم القوات العسكرية بدل المدنيين، مما أدى إلى وفاة قرابة 3 ملايين إنسان، مصحوبة بأوبئة كالملاريا والكوليرا…
الحكام آنذاك رفضوا الإعتراف بالمأساة، إذ كانت المجاعة الموعودة طبيعية، بينما هي كانت فعلا بشريا صنعته سياسات جائرة!!
ما نراه اليوم في غزة هو نسخة أكثر مراوغة، أكثر برودة، وأكثر عنفًا…
هنا لا حاجة للتبرير بالطبيعة أو الجفاف، الأدلة تقول إن من يدخل الطعام هو من يقرر أيضا كم يُفترض أن يعيش أو يموت.
إنها مجاعة مبنية على معادلات، على حسابات، على قرار سياسي.
المجاعة بحد ذاتها هي عملية إبادة طويلة المدى، لا تُعلن، لكن أثرها يمحو مجتمعا بكامله.
هذه الجرائم لا تُحدث تحت ستار الطبيعة، بل تحت ستار (السلام)!!! جوع تدريجي، لا يُقتل فيه الناس بسلاح ناري، بل يُقتل بالعطش والصمت.
ولنا في “البنغال” مثال سيء يُدرّس في الفظاعة، لكن ما يحدث في “غزة” اليوم أضعف الرحمة وأكثر تدميراً نفسيًا ووجوديًا.
إنها حرب لا تُرى، لكنها تُحس، تُذوقها الأجساد الزهقة من الجوع، وتعبّر عنها العيون المحطمة، والبصمات التي تقرأها الجماجم العظمى.
إنه قتل ضمني لكرامة إنسان، دموع صامتة تنزف بها الأرض والناس دون أن يرى العالم بأكمله إلا بقايا الخبز.
نحن أمام صفحة سوداء أخرى في التاريخ، صفحة قادرون على قراءتها ليس عبر الصور، بل عبر الجوع.
الجيب الفارغ، الجسم الجريح، القلب المنكسر، النفس المتعبة… إنه جوع لا خجل فيه من كونه سلاحاً!.
«فحين يُحاصر الجسد بالحرمان، تُحاصر الإنسانية كلها، فالمجاعة ليست موتاً بطيئاً، بل قتل معلن بٱسم الصمت.»