الجماعات السلالية.. نحو تثمين رصيدها العقاري وإدماجه في مسلسل التنمية

يمثل إدماج الجماعات السلالية في مسلسل التنمية الاقتصادية والاجتماعية أحد المحاور الاستراتيجية التي جاء بها الإصلاح التشريعي المتعلق بهاته الجماعات، الذي تتم حاليا مناقشته داخل لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة بمجلس النواب.

لا يمكن المجادلة في أهمية أحكام الظهير الشريف المؤرخ في 27 أبريل 1919 والضمانات التي وفرها للدولة من أجل الحفاظ على الممتلكات المملوكة للجماعات السلالية وصيانتها وتأمين الانتفاع بها وتيسير تعبئتها لإنجاز مشاريع وطنية كبرى، غير أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع عموما قد أبانت منذ سنوات خلت أن القانون المؤطر لأراضي الجموع قد وصل إلى مداه وأبان عن محدوديته.

لهذا فإن الإصلاح التشريعي الحالي جاء ليثمن الرصيد العقاري المهم لأراضي الجماعات السلالية التي تتموقع في الوقت الراهن في صلب إشكالية التنمية بالوسط القروي، اعتبارا لأهمية هاته الأراضي ومساحتها واتساع رقعة تواجدها وعدد الساكنة المرتبطة بها، وأيضا بسبب ما يرتبط بها من رهانات اقتصادية واجتماعية وحقوقية وقانونية وبيئية.

ومما لا شك فيه فإن شساعة المساحة الإجمالية للأراضي السلالية التي تبلغ 15 مليون هكتار، وتعبئة مليون هكتار منها بتعليمات ملكية سامية، ستحدث نقلة نوعية بالعالم القروي وستمفصل هيكلته وأسسه، كما ستنعكس لا محالة على ساكنته، وعلى مستغلي هذه العقارات. 

وفي هذا الصدد، أبرز وزير الداخلية السيد عبد الوافي لفتيت، مؤخرا خلال المناقشة التفصيلية للمشاريع الثلاثة المتعلقة بالأراضي السلالية بلجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة بمجلس النواب، أن مشروع القانون رقم 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها يروم إضفاء قيمة مضافة على أراضي هاته الجماعات، والدفع بعجلة التنمية بالعالم القروي.

وقال السيد لفتيت إن هذا المشروع يروم أيضا تشجيع الاستثمار المنتج للثروة ولفرص الشغل والتشغيل الذاتي في هاته الأراضي، باعتبارها تشكل خزانا مهما يمكن تعبئته لإنجاز مشاريع في مختلف الميادين.

لقد بينت التجربة والممارسة أن تعبئة الأراضي الفلاحية الجماعية للاستثمار في الميادين الفلاحية والتجارية والخدماتية يمكن أن تتيح فرصا كثيرة للشغل وخلق الثروة والمساهمة في الاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، فإن مشروع القانون بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير ممتلكاتها يحمل تغييرات ومستجدات تروم تحقيق هذا الهدف المنشود وتتمثل أساسا في فتح إمكانية تمليك الأراضي الجماعية المخصصة للحرث لفائدة أعضاء الجماعة السلالية من أجل تمكينهم من الاستقرار وتشجيعهم على الاستثمار بها، وفتح إمكانية تفويت الأراضي الجماعية للفاعلين الخواص إلى جانب الفاعلين العموميين لإنجاز مشاريع الاستثمار، الشيء الذي سيمكن من إدماج الرصيد العقاري الجماعي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

ومن ضمن المستجدات أيضا إعادة النظر في كيفية كراء العقارات الجماعية من أجل تشجيع الاستثمار وخاصة في الميدان الفلاحي وتحديد مدة الكراء حسب نوعية المشروع الاستثماري. 

إن تعبئة الأراضي الجماعية عن طريق الكراء في الميدان الفلاحي أو تمليك الأراضي الفلاحية البورية لفائدة ذوي الحقوق سيمكن من خلق قيمة مضافة على الصعيد المحلي والوطني، كما أنها ستمكن من رفع المستوى المادي لفئة عريضة من مستغلي هذه الأراضي والمستثمرين فيها سواء من ذوي الحقوق أو باقي المستثمرين، الشيء الذي سيساهم بشكل فعال في بروز طبقة متوسطة في الميدان الفلاحي طبقا لما ورد في التوجيهات الملكية السامية بهذا الخصوص.

وقد دعا أعضاء مجلس النواب، خلال المناقشة التفصيلية للمشاريع الثلاثة، إلى إقرار تسهيلات في وجه القطاع الخاص الذي يرغب في الاستثمار في الأراضي السلالية، مؤكدين على ضرورة أن تستند المشاريع المزمع إقامتها على أراضي الجماعات السلالية على دراسات جدوى لمعرفة مدى نجاحها وقابليتها للتجسيد على أرض الواقع.

وبعد أن شددوا على ضرورة إرساء حكامة لتدبير الموارد المالية للجماعات السلالية، عبر آليات وإجراءات مضبوطة تروم أساسا ضمان حق ذوي الحقوق من الانتفاع من خيراتها، أكد النواب على أهمية تشديد العقوبات لحماية هذا الرصيد العقاري المهم.

ويمكن القول إن المجهودات المبذولة من قبل جميع الشركاء قد أدت إلى بلورة مشاريع قوانين في هندسة جديدة تأخذ بعين الاعتبار العمق التاريخي للنظام العقاري لأراضي الجماعات السلالية من جهة، وتستشرف البعد التنموي لهذه الأراضي مع إرساء قواعد جديدة للتدبير والحكامة من جهة أخرى.

Comments (0)
Add Comment