✍🏼 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]
في زمن صار فيه الحقّ يُقاس بميزان المصالح ، والدم يُرشّ بالبيانات لا بالبلسم ، جاء «التنين الصيني» من خلف سبع بحار ، حاملا على جناحيه أطنانا من المساعدات «لغزة» الجريحة ، في خطوة أقلّ ما يُقال عنها: «إنها صفعة مدوية على وجه الكوكب المنافق ، عربًا وعجمًا».
الصين ، الدولة الشيوعية التي لا تنتمي لا للإسلام ولا للعروبة ، قرّرت أن تخرق الحصار ، لا بالشجب ، ولا بالإدانة ، ولا بالرقص في مؤتمرات القمم… بل بإلقاء المساعدات من الجو في مشهد يحرج جبال العربان قبل قصوره!
– أيعقل أن يُسابق (ملحدو) بكين (مؤمني) مكة والدوحة وعمّان والقاهرة إلى نصرة غزة؟
– أهذا هو زمن ٱختلاط المفاهيم حيث صار الكُفر أكثر شهامة من الإسلام المغشوش؟!
لقد سقط القناع يا سادة ، وتهاوت الشعارات ، وتبخرت المواقف الرسمية كما يتبخر الماء في صحراء النفاق العربي!!
الصين لم تكتف بالتعاطف النخبوي ، ولا بالمؤتمرات الإنشائية التي لا تُسمن ولا تُغني عن دم ، بل قفزت على كل البروتوكولات وقرّرت الفعل.
أما أصحاب اللحى الطويلة وربطات العنق الذهبية ، فقد جلسوا يتأملون المشهد من فوق أبراجهم الزجاجية ، يستنكرون بخجل ، ويحسبون عدد الطائرات الصينية كما يحسب الجبناء عدد الرصاصات التي لم يُطلقوها!!!
«غزة» ، تلك البقعة المباركة التي تحوّلت إلى مسرح للتواطؤ ، تُقصف بالصواريخ ويُمنع عنها الماء والدواء ، بينما العواصم العربية تتسابق في تنظيم حفلات الغناء…
غزة تنزف ، وهم يفاوضون (أصدقاء الكيان) على فتات المواقف ، ويعرضون (مبادرات السلام) كما تُعرض السلع في السوق!
كل شيء للبيع ، حتى الشرف ، حتى الدم الفلسطيني…
ولأن الحياء غادر وجوههم منذ زمن ، فإنهم لا يرون في خطوة الصين إلا إحراجا غير مبرر.
فهم تعوّدوا أن يكونوا أتباعا لا مبادرين ، مشاهدين لا فاعلين ، يتقنون فنّ الصمت لا فنّ المقاومة.
بل لربما ٱجتمعوا الآن ، في السر طبعا ، ليبحثوا كيف يُقنعون الغرب أن ما فعلته «الصين» تهوّر سياسي يجب الحذر منه ، لا قدوة يجب الإقتداء بها.
عذرا يا «غزة» ، فإن أقرب الناس إليك هم أبعدهم عنك.
وعذرا يا فلسطين ، فقد صار مناصروك يأتون من أقاصي الأرض ، لا من جوارك.
فالصين رغم كل ما يُقال عنها ، لم تسأل عن المذهب ولا عن البيان الختامي ، بل فهمت أن الإنسانية لا تحتاج ترجمة.
ومع ذلك ، لا تتفاجأ إن خرج علينا أحد (الفقهاء الرسميين) ليقول لك:
«لكن تلك المساعدات ليست على منهج السلف!».
أو أحد السياسيين المخللين ليردّد:
«خطوة غير محسوبة من بكين قد تُربك التوازنات الإقليمية!!».
نعم ، فهم بارعون فقط في تحليل العجز وتبرير الخذلان وتسويق التواطؤ!!!
ختاما ، لا نملك إلا أن نرفع القبعة «مجازا طبعا» لدولة فهمت المعادلة أكثر من أصحاب القضية.
فبينما كانت الشعوب تُصفق لأغاني المهرجانات ، كانت طائرات الصين تلقي الخبز والدواء على شعب يموت ببطء تحت الركام.
وبينما كان العرب يتجادلون حول (أولويات المرحلة) ، كانت بكين تُعلن بصمت أن الإنسانية لا تحتاج هوية.
وبهذا المشهد ، ٱكتملت المأساة: «التنين يُنقذ.. والنُعاج تُمجّد الصمت المقدّس».
حقا ، عجبت لك يا زمن!.