دخل حزب التقدم والاشتراكية مرحلة جديدة من مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، بعدما فوضت لجنته المركزية، بالإجماع، مكتبه السياسي مواصلة التفاوض بشأن المشاركة في الحكومة المرتقبة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، مع التأكيد على ضرورة توفير شروط سياسية وبرنامجية واضحة تضمن للحزب موقعاً فعلياً في تدبير المرحلة المقبلة.
ولا تبدو مشاركة الحزب، وفق ما أعلنته قيادته، مرتبطة فقط بالحصول على حقائب وزارية، بل بمدى قدرة الحكومة المقبلة على الالتزام بأولويات سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة، خصوصاً في ما يتعلق بالتشغيل، والشباب، ومحاربة غلاء المعيشة والتضخم، وتعزيز الخيار الديمقراطي. وقد شدد نبيل بنعبد الله على ضرورة وجود التزامات صريحة وضمانات حقيقية قبل الحسم النهائي في تموقع الحزب داخل الأغلبية.
ومن الملفات التي تكتسي أهمية خاصة في هذا السياق ملف جيل Z، الذي أصبح خلال الفترة الأخيرة أحد أبرز التعبيرات الشبابية عن الانتظارات الاجتماعية والسياسية. وكان حزب التقدم والاشتراكية قد أدرج في برنامجه الانتخابي التزاماً بتسوية ملف الحراك والصحافيين والمؤثرين وشباب جيل Z الموجودين رهن الاعتقال، إلى جانب التأكيد على حماية حرية التعبير والفعل المواطناتي السلمي.
ويطرح هذا الملف نفسه اليوم أمام الحكومة المقبلة باعتباره اختباراً لمدى قدرتها على الإنصات إلى الشباب، وفهم أسباب الاحتقان الاجتماعي، وفتح قنوات الحوار بدل الاكتفاء بالمقاربة الأمنية أو القضائية. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تكون معالجة ملفات شباب جيل Z، وفق القانون واحترام استقلال القضاء، جزءاً من النقاش السياسي المرتبط بالمرحلة المقبلة.
وبالتوازي مع ذلك، يحضر ملف الصحافة وكتاب الرأي بقوة، خصوصاً في ما يتعلق بضمان حرية التعبير وحماية الصحافيين أثناء ممارسة مهامهم المهنية. وكان الحزب قد أعلن في برنامجه التزامه بألا تتم متابعة الصحافي بسبب أفعال مرتبطة بنشاطه المهني إلا بمقتضى قانون الصحافة، مع الدعوة إلى تعديل المقتضيات القانونية ذات الصلة.
ومن هنا يمكن أن يطرح التفاوض أيضاً ضرورة فتح نقاش حول الشكايات والمتابعات المرتبطة بحرية التعبير والنشر، والعمل على معالجة الملفات التي يمكن تسويتها قانونياً، بما يضمن حماية الصحافيين وكتاب الرأي من أي استعمال غير متناسب للمساطر القضائية، مع الحفاظ في المقابل على حق أي مواطن في اللجوء إلى القضاء واحترام استقلال السلطة القضائية.
كما أن المشاركة الحكومية المحتملة للحزب تطرح سؤالاً أكبر يتعلق بموقعه داخل الأغلبية ومدى قدرته على الحفاظ على استقلالية قراره السياسي، خصوصاً أن النقاش الداخلي للحزب أظهر وجود مواقف مختلفة بين المشاركة والمعارضة، قبل أن يتم تفويض المكتب السياسي بمواصلة المشاورات والحسم في الشروط والتفاصيل.
وبذلك، فإن مفاوضات التقدم والاشتراكية لا تتعلق فقط بالحقائب والمواقع، وإنما بمدى ترجمة عدد من الالتزامات إلى سياسات عمومية واضحة، خصوصاً في قضايا الشباب، والتشغيل، والحريات، والصحافة، وملف جيل Z.ويبقى الحسم النهائي رهيناً بما ستسفر عنه المفاوضات مع رئيسة الحكومة المعينة، وما إذا كانت الضمانات السياسية والبرنامجية التي يطالب بها الحزب ستجد طريقها إلى الاتفاق النهائي والبرنامج الحكومي المقبل.