تُثير المقترحات والتوجهات الصادرة عن وزارة التعليم العالي بشأن إلغاء مجانية التعليم الأكاديمي قلقًا بالغًا، ليس فقط لما تحمله من تبعات اجتماعية واقتصادية خطيرة، بل لما تمثله من مساس صريح بحق دستوري أصيل، وضرب مباشر لمبدأ تكافؤ الفرص الذي يُعد حجر الزاوية في أي دولة تدّعي الالتزام بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
إن الحق في التعليم ليس منّة من الدولة ولا امتيازًا مرتبطًا بالوضعية الاجتماعية أو القدرة المادية، بل هو حق أساسي كفله الدستور، وكرّسته المواثيق الدولية التي صادقت عليها بلادنا، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اللذان ينصّان صراحة على ضمان ولوج الجميع إلى التعليم العالي على أساس الاستحقاق والكفاءة، لا على أساس الثروة والقدرة على الأداء.
إن أي توجه نحو إلغاء مجانية التعليم العالي يشكّل تراجعًا خطيرًا عن فلسفة الدولة الاجتماعية، ويحوّل الجامعة العمومية من فضاء لإنتاج المعرفة وتكافؤ الفرص إلى سوق يخضع لمنطق الربح والخسارة، حيث يُقصى أبناء الفئات المتوسطة والفقيرة، ويُحرم ذوو الكفاءات من حقهم في استكمال مسارهم العلمي فقط لعجزهم عن تحمل تكاليف مادية لا علاقة لها بالاستحقاق الأكاديمي.
الأخطر من ذلك أن هذا التوجه يتجاهل مبدأ “التعلم مدى الحياة”، وهو مبدأ دستوري وإنساني حديث، يضمن لكل مواطن، مهما كان سنه أو وضعه المهني، حق العودة إلى الدراسة وتطوير معارفه، سواء كان موظفًا، أو عاملاً، أو قد بلغ سنًا متقدمة. فربط التعليم بالعمر أو بالوضعية المهنية أو بالاكتفاء المعيشي يُعد خرقًا سافرًا للحرية الشخصية، وتضييقًا غير مشروع على حق الأفراد في اختيار مسارهم العلمي والمعرفي.
كما أن تبرير هذه القرارات بدعوى إصلاح المنظومة أو تخفيف العبء عن المالية العمومية لا يصمد أمام التحليل القانوني والاقتصادي، لأن إصلاح التعليم لا يكون بتجفيف منابعه أو تحميل كلفته للطلبة، بل بمحاربة الهدر والفساد، وتحسين الحكامة، وتوجيه الميزانيات نحو البحث العلمي، باعتباره استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل البلاد، لا عبئًا ماليًا يجب التخلص منه.
إن المساس بمجانية التعليم العالي لا يُهدد فقط الطلبة الحاليين، بل يضرب في العمق مستقبل التنمية الوطنية، ويُنتج نخبة محصورة في القادرين، ويُعيد إنتاج الفوارق الطبقية داخل المجتمع، في تناقض صارخ مع مبدأ المساواة الذي يفترض أن تقوم عليه السياسات العمومية.
وعليه، فإن هذه التوجهات تستوجب رفضًا مجتمعيًا واسعًا، ومساءلة سياسية وقانونية حقيقية، وتدخّلًا تشريعيًا عاجلًا لحماية التعليم العمومي من منطق الخوصصة المقنّعة. فالتعليم ليس سلعة، والجامعة ليست مشروعًا تجاريًا، والحق في المعرفة لا يقبل المساومة أو التفريط.
إن الدفاع عن مجانية التعليم العالي اليوم هو دفاع عن الدستور، وعن العدالة الاجتماعية، وعن مستقبل أجيال كاملة، وعن دولة تُؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الوحيد نحو السيادة الحقيقية والتنمية المستدامة.