أتنين… أتنين»   قصيدة الانقسام الفلسطيني حين يتحول الإيقاع إلى شهادة  .

متابعة : حامد الزيدوحي/بيان مراكش Bayanemarrakech

بقلم: الكاتب والمسرحي / خالد شريف

 

ليست قصيدة «أتنين… أتنين» للشاعر **أبوالغضب (نصرالدين خيامي بلمهدي)** مجرد نص شعري، بل هي **وثيقة وجدانية** تُدوّن لحظة فلسطينية مثقلة بالانقسام، والخذلان، وضياع المعنى. قصيدة تخرج من رحم الألم الجمعي، وتستخدم الإيقاع، لا كزينة فنية، بل كنبضٍ حيّ يذكّر القارئ أن الجرح ما زال مفتوحًا.

 

منذ السطر الأول، يضعنا الشاعر أمام لازمة متكررة: **«أتنين… أتنين / دد دم… دد دم»** وهي لازمة تحمل بعدًا رمزيًا عميقًا؛ فـ«أتنين» لا تشير فقط إلى العدد، بل إلى الانقسام السياسي والاجتماعي، إلى حكومتين، ورؤيتين، ومصيرين متوازيين لا يلتقيان. أما «دد دم» فهي محاكاة صوتية لنبض القلب أو لدوي الرصاص، وكأن القصيدة تُكتب على إيقاع حياة مهددة بالموت في كل لحظة.

 

يستحضر الشاعر صورة الشعب الفلسطيني بوصفه «شعب الغليانين»، لكنه سرعان ما يصدم القارئ بتحول هذا الشعب إلى «شحاذين لوكالة وحكومتين». هنا تتجلى المفارقة القاسية بين الخطاب البطولي الذي طالما أُحيطت به القضية الفلسطينية، والواقع الذي دفع الناس إلى انتظار المعونة بدل امتلاك القرار. فالقصيدة لا تهاجم الشعب، بل تفضح من أوصلوه إلى هذا الدرك.

 

ويتعمق النص في تشريح الخيبة حين يقول الشاعر إن «الحلم ضاع في كلمتين»، في إشارة واضحة إلى الشعارات والاتفاقات والوعود السياسية التي استُهلكت حتى فقدت معناها. الزمن في القصيدة زمن مختل؛ انتظار اليوم قبل أن يأتي، والعيش في «سراب الوهمانين»، وكأن الفلسطيني عالق في فراغ زمني لا ماضٍ يُنقذ ولا مستقبل يُبشّر.

 

في المقطع الأوسط، تتحول القصيدة إلى مرآة داخلية تعكس تمزق الهوية الجماعية: *«فينا اللي قال: إحنا السلاطين فينا اللي قال: إحنا المحكومين فينا اللي قال: إحنا مين»* هذا التكرار المؤلم لكلمة «فينا» يكشف انقسامًا نفسيًا واجتماعيًا، لا يقل خطورة عن الانقسام السياسي. شعب لا يعرف كيف يعرّف نفسه: أهو صاحب سلطة أم ضحية سلطة؟ أهو زهر بساتين أم كيان مُستباح؟

 

ولا يكتفي الشاعر بنقد الداخل، بل يوسّع دائرة الاتهام لتشمل العالم الخارجي، الذي يصوره ككائن مشلول: **«الدنيا ماشية بدون رجلين / مقصوصة اللسان والإيدين / ومستغماية العينين»** صورة بلاغية مكثفة تختصر موقف العالم: عجز عن الحركة، صمت عن الكلام، وعمى عن رؤية الحقيقة. عالم يراقب المأساة دون أن يتدخل، أو يتدخل بوساطة «الدلال اللعين»، في إشارة إلى الوسطاء والسياسيين الذين حولوا القضية إلى صفقة.

 

في خاتمة القصيدة، يتقدم الشاعر خطوة إلى الأمام، معلنًا موقعه بوضوح: هو ليس قائدًا ولا وسيطًا، بل كاتب شهادة. يطلب «ورقة وقلمين» ليكتب «خطين»: الأول «من تحت الطين» أي من الواقع الثقيل، والثاني «ربك معين» أي من مساحة الإيمان والأمل. وهو يدرك مسبقًا أن كلمته ستغضب كثيرين، لكنه يختار الصدق على المجاملة، والموقف على الصمت.

 

قصيدة «أتنين… أتنين» تنتمي إلى شعر المقاومة الجديدة، مقاومة الكلمة التي ترفض التزييف، وتصر على تسمية الجرح باسمه. هي قصيدة لا تبحث عن حل جاهز، لكنها تؤدي الدور الأهم: **أن تذكّرنا بما نحن فيه، وبما صرنا نخسره كلما اعتدنا الانقسام**.

 

قراءة القصيدة 👇👇👇

 

أتنين … أتنين

 

 

دد دم .. دد دم

أتنين .. أتنين

 

وحنا شعب الغليانين

خلونا شحاذين

لوكالة وحكومتين

قالوا : شعب جبارين

طلعنا مساكين

سمونا شعب فلسطين

— — — —

شلنا هباب وطين

وصرنا مقسومين

أتنين .. أتنين

والحلم ضاع في كلمتين

وعشنا في سراب الوهمانين

نستنا اليوم قبل يومين

****

دد دم .. دد دم

أتنين .. أتنين

 

فينا السهرنين

من الهم موجوعين

فينا الفرحانين

من الظلمة مرعوبين

فينا اللي قال : إحنا مين

فينا اللي قال : إحنا السلاطين

فينا اللي قال : إحنا مين

فينا اللي قال : إحنا المحكومين

فينا اللي قال : إحنا مين

فينا اللي قال : إحنا زهر البساتين

****

دد دم .. دد دم

أتنين .. أتنين

 

الدنيا ماشية بدون رجلين

مقصوصة اللسان والإدين

ومستغماية العينين

جينا في يد الدلال

والدلال لعين

حلف مية يمين

— — — —

سألوا : الأستاذ حسين

يشوف شمال .. ويمين

أهلين .. وسهلين

هاتو ورقة وقلمين

أكتب ليكم خطين

على سطر كلمتين

الأولى من تحت الطين

وثانية ربك معين

لابد ما في مسئولين

وأنا عارف كلامي

يخلي مني ناس زعلانين

 

الشاعر : أبوالغضب

نصرالدين خيامي بلمهدي

غزة : 08 06 2015

Comments (0)
Add Comment