_ضمن سلسلة_ : « *مدن مغربية على الهامش… بين مجد الأمس وأسئلة اليوم* ».

0 474

*”العرائـش”.. مدينة تستحق أكثر من الوعود!*

✍🏼بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

بعد ثلاثة مقالات حاولنا فيها أن نفتح صفحات من تاريخ “العرائـش”، وأن نتوقف عند بحرها ومينائها، وأن نضع اليد على ثروتها الثقافية والتاريخية، نصل اليوم إلى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:
– ماذا نريد “للعرائـش”؟
– هل نريدها مدينة تعيش على أمجاد الماضي؟
– أم نريدها مدينة تستثمر تاريخها وموقعها وثرواتها لتصنع مستقبلا يليق بها وبأبنائها؟

هذا السؤال ليس موجها إلى سكان “العرائـش”.
فهؤلاء يعرفون جيدا قيمة مدينتهم، ويعرفون ما ينقصها، ويعيشون تفاصيل مشاكلها يوميا.
السؤال موجه إلى كل من يملك القرار والقدرة على تحويل الإمكانات إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج.
فـ”العـرائش” ليست مدينة فقيرة من حيث المؤهلات، إنها مدينة غنية إلى درجة تجعل واقعها الحالي يثير الإستغراب!
*البحر أمامها.
*نهر “اللوكوس” يحتضنها.
*الميناء جزء من تاريخها وٱقتصادها.
*”ليكسوس”تقف شاهدة على حضارات متعاقبة.
*المدينة القديمة تختزن ذاكرة عمرانية وثقافية.
*والقرب من المحاور الكبرى يجعل موقعها الجغرافي ورقة إضافية يمكن ٱستثمارها.
ومع ذلك، لا تزال المدينة تبحث عن مكانتها.
وهنا لا بد من طرح الأسئلة بلا مجاملة:
– أين هو المشروع الكبير الذي يجمع كل هذه المؤهلات في رؤية واحدة؟
– أين هي الإستراتيجية التي تجعل “العرائـش” قطبا سياحيا وثقافيا وٱقتصاديا وليس مجرد مدينة ساحلية جميلة؟
– أين هو المشروع الذي يجعل من “ليكسوس” نقطة جذب دولية؟
– أين هو الربط الحقيقي بين الموقع الأثري والمدينة والميناء والمدينة القديمة؟
– أين هي السياحة التي تستمر طوال السنة ولا ترتبط فقط بموسم الصيف؟
– وأين هي المشاريع التي تمنح شباب “العرائـش” فرصة للبقاء في مدينتهم بدل البحث عن فرصهم في مدن أخرى؟

هذه ليست أسئلة للمزايدة، إنها أسئلة مشروعة يطرحها كل مواطن يريد أن يرى مدينته تتقدم.
فـ”العرائـش” لا تحتاج إلى المزيد من الوعود… لقد آن الأوان للإنتقال من منطق الإعلان عن المشاريع إلى منطق قياس نتائجها.
• نحتاج إلى مشروع تنموي واضح، له أهداف محددة، وآجال محددة، ومؤشرات واضحة لقياس النجاح.
• نحتاج إلى مدينة يكون فيها الٱستثمار السياحي مرتبطا بالثقافة والتاريخ.
• نحتاج إلى ٱقتصاد أزرق يستفيد من البحر والميناء والصيد البحري، ويحافظ في الوقت نفسه على البيئة والثروة السمكية.
• نحتاج إلى تثمين حقيقي للمدينة القديمة، لا مجرد عمليات تجميل موسمية.
• نحتاج إلى حماية المآثر من التدهور، وإلى تحويلها إلى فضاءات ثقافية وسياحية حية.
• نحتاج إلى مسارات سياحية تربط “ليكسوس” باللوكوس والمدينة القديمة والقصبة والميناء والواجهة البحرية، حتى لا يعيش كل عنصر منفردا عن الآخر.
• ونحتاج، قبل كل شيء، إلى أن يكون شباب “العرائـش” في قلب المشروع.

فلا يمكن أن نتحدث عن التنمية بينما يظل الإنسان خارج المعادلة.
لا نريد أن يأتي المستثمر من الخارج ويأخذ الفرصة، بينما يبقى ٱبن المدينة متفرجا.
نريد تكوينا.
نريد دعما للمقاولات الصغيرة.
نريد تشجيع التعاونيات.
نريد مشاريع ثقافية وسياحية يقودها أبناء المدينة.
نريد أن يتحول تاريخ “العرائـش” إلى مصدر دخل وفرص وإبداع للشباب.
– ولماذا لا تكون هناك حاضنة للمشاريع المرتبطة بالسياحة الثقافية والإقتصاد الأزرق؟
– لماذا لا يتم تشجيع الشباب على إنشاء شركات صغيرة لتنظيم الجولات السياحية، والأنشطة البحرية، والتجارب الثقافية، والمنتجات المحلية؟
– لماذا لا يصبح ٱسم “العرائـش” علامة تجارية سياحية قائمة بذاتها؟
هذه المدينة تستطيع أن تقدم للسائح تجربة مختلفة تماما.
السائح يمكن أن يبدأ يومه في “ليكسوس”، ثم يتجه إلى المدينة القديمة، ويتعرف على تاريخ القصبة، ويزور الميناء، ويتناول منتجات بحرية محلية، ويستمتع بـ”اللوكوس”، وينهي يومه أمام المحيط.
هذه ليست مجرد رحلة.
إنها قصة سياحية متكاملة.
لكنها تحتاج إلى من يكتبها على أرض الواقع.
ثم هناك ملف لا يقل أهمية:
• صورة المدينة.
فالمدينة التي تريد جذب المستثمر والسائح تحتاج إلى فضاءات نظيفة، ومرافق جيدة، وتشوير واضح، ومداخل لائقة، وواجهة بحرية جميلة، وخدمات سياحية محترمة، ونقل مناسب، وحضور رقمي قوي.
في زمن أصبحت فيه المدن تتنافس عبر الإنترنت قبل أن يتنافس الناس على زيارتها، لا يمكن أن تبقى “العرائـش” خارج المنافسة الرقمية.
• يجب أن تكون لها هوية بصرية واضحة.
• موقع إلكتروني سياحي متكامل.
• خرائط رقمية.
• معلومات تاريخية بلغات متعددة.
• مسارات سياحية موثقة.
• صور ٱحترافية.
• ومحتوى يجعل من يريد زيارة المغرب يفكر في “العرائـش” ضمن وجهاته الأولى.
المدينة الجميلة لا يكفي أن تكون جميلة… يجب أن يعرف العالم أنها موجودة.
وهنا يأتي دور الدولة والجهات والجماعة والقطاع الخاص.
كل طرف عليه مسؤولية، ولا يمكن أن يظل الجميع ينتظر الآخر.
إنقاذ “العرائـش” لا يحتاج إلى معجزة..
✓ يحتاج إلى رؤية وجرأة وٱستمرارية ومحاسبة.
✓ يحتاج إلى أن نتوقف عن التعامل مع المدن التاريخية بمنطق المشاريع المتفرقة.
✓ يحتاج إلى مشاريع مرتبطة ببعضها.
✓ إلى ميزانيات واضحة.
✓ و آجال معلنة.
✓ وإلى متابعة حقيقية.
✓ وإلى تقييم النتائج.
وإذا تعثر مشروع، يجب أن يعرف المواطن لماذا تعثر.
وإذا نجح، يجب أن يعرف المواطن أين ذهبت نتائجه.
هذه هي التنمية التي تستحقها “العرائـش”.
أما أن تبقى المدينة تنتظر سنوات طويلة، ثم يأتي مشروع هنا وآخر هناك، دون أن تتشكل صورة واضحة للمستقبل، فهذا لن يغير جوهر المشكلة.
“العرائـش” تحتاج إلى:
• مشروع مدينة، وليس مجرد مشاريع داخل المدينة.
• مشروع يجعل البحر جزءا من الإقتصاد.
• والتراث جزءا من التنمية.
• و”ليكسوس” جزءا من السياحة.
• والمدينة القديمة جزءا من الحياة.
• والميناء جزءا من الإقتصاد المحلي.
• والشباب جزءا من القرار والمستقبل.
• والسائح جزءا من الحركة الإقتصادية.
عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا فعلا في إنقاذ “العرائـش”.

“العرائــش” لا تريد أن تعيش على الماضي، ولا تريد أن تتوسل المستقبل…
إنها تريد حقها الطبيعي في التنمية.
تريد أن تستعيد شيئا من المكانة التي كانت تتمتع بها.
وتريد أن ترى أبناءها يعملون ويستثمرون ويحلمون داخل مدينتهم.
وتريد أن يتحول تاريخها من مادة للفخر إلى قوة للمستقبل.
لهذا، فإن رسالتنا اليوم ليست رسالة غضب فقط.
إنها رسالة غيرة على مدينة تستحق الأفضل.
“العرائـش” ليست:
(ضد التنمية، وليست ضد الٱستثمار، وليست ضد الحداثة).
بل على العكس، هي تحتاج إليها كلها.
لكنها تحتاج إلى تنمية تحفظ روحها، وٱستثمار يحترم هويتها، وحداثة لا تمحو ذاكرتها.
ومن هنا، فإنني أوجه هذه الرسالة إلى الجهات المسؤولة:
لا تجعلوا “العرائـش” تنتظر أكثر…
– ٱفتحوا ملفاتها.
– ٱستمعوا إلى أبنائها.
– قيموا ما تحقق.
– حددوا ما لم يتحقق.
– ضعوا مشروعا واضحا.
– وٱربطوا المسؤولية بالنتائج.
فليس من العدل أن تمتلك مدينة كل هذه المؤهلات ثم تبقى أسيرة الٱنتظار.
وليس من الإنصاف أن نتحدث عن تاريخ “العرائـش” في المناسبات، ثم ننسى مستقبلها في السياسات التنموية.
وليس مقبولا أن نحتفي بـ”ليكسوس” كإرث حضاري، ثم لا نجعلها جزءا من مشروع سياحي وثقافي قادر على تغيير وجه المنطقة.

“العرائـش” لا تريد المستحيل.
✓ تريد فقط أن تعامل بما تستحق.
✓ تريد أن تتحول من مدينة جميلة منسية إلى مدينة جميلة حاضرة.
✓ من مدينة يتحدث الناس عن تاريخها إلى مدينة يتحدثون عن حاضرها ومستقبلها.
✓ من مدينة يزورها البعض صدفة إلى وجهة يقصدها الناس عمدا.
✓ من مدينة يودع شبابها أحلامهم فيها إلى مدينة يصنع فيها الشباب أحلامهم.
وهنا أختم هذه السلسلة بالسؤال الذي يجب ألا يبقى مجرد سؤال صحفي:
– “العرائـش” كانت ذات يوم مدينة يتنافس الآخرون عليها… فمتى يأتي اليوم الذي نتنافس نحن على إنقاذها وتطويرها؟

إنها ليست مدينة تحتاج إلى الشفقة… بل هي مدينة تحتاج إلى قرار.
وليست مدينة تحتاج إلى مزيد من الكلام… بل إنها تحتاج إلى عمل.
وليست مدينة تحتاج إلى أن نستعيد أمجادها في الذاكرة… بل تحتاج إلى أن نمنحها مجد المستقبل.
فـ”العرائــش” تستحق أكثر… بكثير أكثر.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.